في أغلب مزارع الأسماك، العلف هو أكبر بند تكلفة، وهو أيضًا أكبر مصدر لتلوّث المياه إذا أُعطي بزيادة أو بجودة ضعيفة. لذلك فإن إدارة العلف ليست مسألة “كم نطعم؟” فقط، بل هي منظومة تربط بين: جودة العلف، طريقة التقديم، جودة الماء، الأكسجين، وصحة السمك.

والقاعدة التي تختصر الموضوع هي:
كل حبة علف لا يأكلها السمك تتحول إلى حمل عضوي ومغذّيات في الماء، فتزيد الحاجة للأكسجين وتزداد مشاكل الأمونيا والأمراض. وهذا مذكور بوضوح في أدلة FAO عن إدارة التغذية وتأثيرها البيئي، حيث ترتبط المغذّيات والمواد العضوية بارتفاع الطلب الحيوي على الأكسجين وتدهور القاع وحدوث اختناقات.

1) أين يضيع العلف؟ (مصادر الفاقد الأكثر شيوعًا)

  1. زيادة الكمية: السمك يشبع مبكرًا والباقي يهبط للقاع.
  2. توقيت خاطئ: التغذية وقت انخفاض الأكسجين (خصوصًا قرب الفجر) أو أثناء حرارة/تقلبات تقلل الشهية.
  3. جودة علف ضعيفة: تفتت الحبيبات، أو ذوبان سريع، أو غبار كثير يرفع العكارة ويزيد الحمل العضوي.
  4. توزيع غير متوازن: تركز العلف في نقطة واحدة يسبب تزاحم، ويأكل القوي ويجوع الضعيف، فتظهر فروق أحجام وهدر.
  5. مشاكل ماء خفية: أمونيا مرتفعة، أو طحالب زائدة، أو نقص أكسجين؛ فتضعف الشهية ويزيد العلف غير المأكول.

2) كيف يحوّل العلف الزائد الماء إلى مشكلة أكسجين وأمراض؟

أ) الأكسجين يهبط بسبب “الحمل العضوي”

عندما يسقط العلف غير المأكول أو الفضلات، تبدأ الكائنات الدقيقة في تحليله، وهذا يرفع استهلاك الأكسجين في الماء والقاع. FAO تشير إلى أن تراكم المواد العضوية والمغذّيات يزيد الطلب على الأكسجين وقد يؤدي إلى قاع لا هوائي وتدهور بيئي داخل الحوض.

وفي أحواض السلور/الكات فيش، توضّح نشرات الإرشاد أن الأكسجين يصبح غالبًا العامل المحدِّد بسبب تنفس السمك والطحالب وكائنات القاع، وأن انخفاضه يسبب ضغطًا كبيرًا على السمك.

ب) الأمونيا ترتفع مع زيادة التغذية والبروتين

الأمونيا ناتج طبيعي من استقلاب البروتين، وتذكر FAO أن مصدر النيتروجين في الأحواض هو بروتين العلف، وأن إنتاج الأمونيا يرتبط بمعدل التغذية.
وبالتالي كلما زادت التغذية دون حاجة، زادت مخاطر الأمونيا وتدهور الجودة.

ج) الضغط (Stress) يفتح باب الأمراض

ضعف الأكسجين وارتفاع الأمونيا وتقلبات الماء تضعف مقاومة السمك وتزيد قابلية العدوى، لأن إدارة الصحة في الاستزراع السمكي تعتمد كثيرًا على تقليل الضغوط البيئية.

3) العلامة الذهبية: “السمك يقرر” وليس الكيس

أفضل طريقة لتقليل الفاقد هي جعل العلف يتبع شهية السمك. طبّق هذه القاعدة العملية:

  • قدّم العلف على دفعات صغيرة.
  • انتظر دقائق، ثم راقب: هل ما زال السمك نشطًا على العلف أم بدأ يهدأ؟
  • توقف فورًا عندما تقل الاستجابة.

هذه الفكرة منسجمة مع توصيات FAO التي تربط إدارة التغذية بدرجة حرارة الماء والأكسجين وكثافة التربية وصحة السمك.

4) خطوات عملية لتقليل العلف المهدَر في القاع

1) اجعل “التغذية حسب الطلب” هي الأساس

بدل وضع كمية ثابتة يوميًا، ضع نطاقًا ثم عدّل حسب الاستجابة:

  • إذا كانت الاستجابة ممتازة لعدة أيام والنمو طبيعي: زد تدريجيًا.
  • إذا ظهرت بقايا أو تدهورت جودة الماء: خفّض فورًا 10–20% وراقب.

2) اختر التوقيت الذي يساعد السمك على الأكل بأمان

  • في الأحواض الترابية، عادةً أقل أكسجين يكون قرب شروق الشمس.
  • لذلك، يكون عمليًا تقديم الوجبات الأساسية بعد ارتفاع الأكسجين صباحًا، ثم وجبة ثانية قبل الغروب عند الحاجة، مع تجنب التغذية عندما تلاحظ لهاثًا على السطح أو خمولًا عامًا.

وبالنسبة للكات فيش، تشير أبحاث/ملخصات USDA إلى أن الحفاظ على الأكسجين فوق حدود مناسبة يساعد على استمرار معدلات التغذية الجيدة.

3) وزّع العلف على مساحة كافية

  • وزّع على أكثر من نقطة (خاصة في الكثافات الأعلى).
  • استخدم “خط تغذية” أو مسار ثابت ليسهل التقييم يوميًا.

4) استخدم أدوات تمنع سقوط العلف للقاع دون مراقبة

حسب نظامك، أحد الخيارات التالية مفيد:

  • صواني/أطباق تغذية في مناطق محددة: ترى البقايا سريعًا وتعرف هل زدت.
  • علف عائم عندما يكون ذلك مناسبًا لنوع السمك؛ لأنه يسهل رصد البقايا مباشرة بدل أن تختفي في القاع. (مبدأ المراقبة المباشرة هو المهم، لا نوع الطفو فقط).

5) كيف تربط بين “جودة العلف” و“جودة الماء”؟

جودة العلف التي تقلل التلوث

  1. ثبات الحبيبة في الماء: كلما قلت نسبة التفتت، قلّت العكارة وقلّ الحمل العضوي.
  2. تجانس المقاس: مناسب لحجم السمك لتقليل التساقط والهدر.
  3. تركيب متوازن: بروتين وطاقة مناسبين للنوع والمرحلة لتقليل الفضلات.
    FAO تؤكد أن تحسين جودة العلف وإدارة التغذية يقلل مدخلات المغذّيات ويحد من الأثر البيئي.

إشارة تحذير مهمة

إذا لاحظت أن الماء يزداد عكارة ورائحة القاع تتغير بعد زيادة التغذية، فغالبًا لديك تحميل زائد من علف/فضلات. وهذا يتوافق مع تقارير عن أحواض السلور التي تتدهور فيها جودة الصرف غالبًا في فترات ارتفاع معدلات التغذية بسبب تراكم المواد العضوية والنيتروجين والفوسفور.

6) مؤشرات سريعة تراقبها يوميًا لتعرف هل العلف مضبوط

مؤشرات جيدة

  • السمك يتجمع بسرعة على العلف ثم يهدأ تدريجيًا دون بقايا واضحة.
  • لا توجد رائحة كريهة أو رغوة غير معتادة.
  • لا يوجد لهاث على السطح، خصوصًا صباحًا.

مؤشرات تحتاج تعديل فوري

  • بقايا علف واضحة بعد التغذية.
  • نشاط ضعيف أثناء التغذية أو تراجع مفاجئ في الشهية.
  • لهاث على السطح أو تجمع عند مصادر دخول الماء.
  • ازدياد نفوق غير مبرر بعد أيام من رفع العلف.

7) خطة “أسبوع واحد” لتصحيح الوضع إذا كنت تشك بوجود هدر

١- اليوم 1–2:

  • خفّض العلف 15%
  • قدّم على دفعات أصغر مع مراقبة الاستجابة

٢- اليوم 3–4:

  • راقب الماء صباحًا: إذا كان الأكسجين منخفضًا أو يوجد لهاث، امتنع عن التغذية حتى تتحسن الحالة (تهوية/تجديد ماء حسب الإمكان)
  • ثبّت نقاط التغذية وعددها

٣- اليوم 5–7:

  • إذا تحسنت الاستجابة واختفت البقايا، زد 5–10% تدريجيًا
  • إذا بقيت البقايا، فالمشكلة ليست كمية فقط: راجع جودة العلف أو صحة السمك أو حالة الماء

الخلاصة

تقليل فاقد العلف لا يرفع الربح فقط، بل يحمي المزرعة من سلسلة مشاكل تبدأ بـ تحميل عضوي ثم هبوط أكسجين وارتفاع أمونيا ثم ضغط وأمراض ونفوق. وعندما تُدار التغذية بناءً على الاستجابة وجودة العلف وتوقيت مناسب، تتحسن جودة الماء ويثبت النمو وتقل الخسائر.