كثير من المزارعين يهتمون بنوع السماد والتربة، لكن يغفلون عنصرًا أساسيًا لا يقل أهمية: مياه الري نفسها.
فالماء ليس مجرد “كمية” نسقي بها النبات، بل له نوعية (جودة) تؤثر مباشرة في:
- صحة التربة وبنائها
- قدرة النبات على الامتصاص
- ظهور الملوحة أو تعفن الجذور
- نجاح المشروع على المدى البعيد
لذلك أصبح تحليل مياه الري خطوة ضرورية، خاصة في مناطق الوطن العربي التي تعاني من الملوحة أو تعتمد على آبار جوفية.
في هذا المقال سنشرح بشكل مبسط:
- ما أهم عناصر تحليل مياه الري؟
- ماذا تعني قيم الملوحة، والـ pH، والبيكربونات، والصوديوم؟
- وكيف يمكن للمزارع أن يتعامل مع بعض المشاكل بدلاً من أن يفاجأ بتدهور التربة والمحصول؟
أولًا: لماذا نحلل مياه الري؟
1. الوقاية خير من العلاج
بدل أن نفاجأ بعد سنوات بتملّح التربة وضعف الإنتاج، يمكننا من البداية معرفة:
- هل المياه مناسبة لكل المحاصيل؟
- هل نحتاج إلى تغيير طريقة الري أو برنامج التسميد؟
- هل هناك خطر على التربة من الصوديوم أو البيكربونات العالية؟
2. اختيار المحاصيل المناسبة
ببعض الأرقام البسيطة من تحليل المياه يمكن:
- تجنّب زراعة محاصيل حساسة في مياه مالحة.
- اختيار محاصيل أكثر تحمّلًا للملوحة عندما يكون الماء متوسط الجودة.
3. ضبط التسميد والري
معرفة نوعية الماء تساعد في:
- تعديل جرعات السماد.
- حساب احتياجات الغسيل (Leaching) لطرد الأملاح من منطقة الجذور.
- اتخاذ قرار باستخدام إضافات مثل الجبس الزراعي أو الأحماض عند الحاجة.
ثانيًا: أهم عناصر تحليل مياه الري وكيف نقرأها
تقارير تحليل مياه الري تحتوي على بنود كثيرة، لكن أهم ما يهم المزارع عمليًا:
- الملوحة الكلية (EC أو TDS)
- درجة الحموضة (pH)
- البيكربونات (HCO₃⁻)
- الصوديوم (Na⁺) وغالبًا يُعبَّر عنه مع الكالسيوم والمغنيسيوم في مؤشّر مثل SAR
- بعض الأيونات الأخرى مثل الكلوريد (Cl⁻) والكبريتات (SO₄²⁻) حسب التقرير.
سنشرح كل واحد منها بصورة مبسطة.
1) الملوحة الكلية لمياه الري (EC و TDS)
ما هي EC؟
EC = Electrical Conductivity
أي القدرة التوصيلية الكهربائية للماء، وهي مؤشر لكمية الأملاح الذائبة فيه.
الوحدة الشائعة:
- dS/m (ديسي سيمنز/متر)
أو - mS/cm (ميلي سيمنز/سم) – تعادل رقميًا نفس القيمة تقريبًا في تحاليل الري.
ماذا تعني القيم بشكل عام؟ (بصورة تقريبية وإرشادية)
- EC أقل من 0.7 dS/m:
مياه جيدة لمعظم المحاصيل مع إدارة عادية. - EC بين 0.7–3 dS/m:
مياه متوسطة الملوحة، يمكن استخدامها مع:- محاصيل متحملة نسبيًا.
- إدارة جيدة للري والصرف.
- EC أكثر من 3 dS/m:
مياه عالية الملوحة، تحتاج إلى:- حذر شديد في اختيار المحاصيل.
- تحسين الصرف.
- زيادة مياه الغسيل من حين لآخر.
كلما زادت الملوحة، زاد “الإجهاد الملحي” على النبات، فيصعب عليه امتصاص الماء رغم وجوده في التربة، فتظهر أعراض تشبه العطش.
2) درجة الحموضة (pH)
ما هو pH؟
هو مقياس يعبّر عن حموضة أو قلوية الماء.
- pH = 7 تقريبًا → متعادل
- أقل من 7 → حمضي
- أكثر من 7 → قلوي
لماذا يهم المزارع؟
- معظم المحاصيل تنمو أفضل عندما يكون pH مياه الري والتربة بين 6 و 7.5 تقريبًا.
- إذا كان pH الماء مرتفعًا جدًا (أكثر من 8):
- يزيد ترسيب بعض العناصر (مثل الفسفور والحديد)،
- فتقلّ استفادة النبات منها رغم وجودها في التربة أو السماد.
ما الذي يمكن عمله إن كان pH مرتفعًا؟
- في كثير من الحالات ارتفاع pH مرتبط بارتفاع البيكربونات والقلوية الكلية.
- يمكن استخدام:
- أحماض زراعية (مثل حامض الفوسفوريك أو النيتريك) بنِسَب محسوبة في شبكة الري،
- أو أسمدة حمضية تقلل من الأثر القلوي مع الوقت.
- يُفضَّل استشارة مختص لتحديد الكميات حتى لا يحدث ضرر للجذور أو للشبكة.
3) البيكربونات (HCO₃⁻)
ما هي البيكربونات؟
أيون موجود في كثير من مياه الآبار، ويرتبط غالبًا بـ:
- ارتفاع pH
- وترسّب الكالسيوم والمغنيسيوم (تكوّن “الكِلس” أو القشور في الأنابيب والقطّاعات).
أثرها على التربة والنبات
- البيكربونات العالية مع الكالسيوم قد تؤدي إلى:
- ترسيب الكالسيوم في صورة جير،
- فيقل توافر الكالسيوم للنبات،
- وتضعف بنية التربة مع الوقت.
- كما تزيد صعوبة إدارة pH التربة على المدى البعيد.
ماذا يفعل المزارع؟
- استخدام أحماض زراعية بنِسَب مدروسة مع مياه الري يساعد على:
- تقليل أثر البيكربونات.
- منع تكوّن ترسيبات قوية في الشبكة.
- تحسين الصرف وإضافة مادة عضوية يساعدان التربة على مقاومة الأثر السلبي.
4) الصوديوم (Na⁺) وخطر قلوية التربة
لماذا نركز على الصوديوم؟
الصوديوم بحد ذاته عنصر لا يحتاجه النبات بكميات كبيرة، وإذا زاد كثيرًا في ماء الري يمكن أن:
- يحل محل الكالسيوم على سطح حبيبات التربة.
- يؤدي إلى تفكك بناء التربة، فتتحول إلى قوام لزج في الأراضي الطينية.
- يقلّ نفاذ الماء والهواء إلى الجذور (تربة مندمجة أو “منغلقة”).
مؤشّر SAR (Sodium Adsorption Ratio)
في كثير من تقارير المياه يظهر رقم يسمى SAR، وهو يعكس نسبة الصوديوم مقارنة بالكالسيوم والمغنيسيوم.
كلما زاد SAR ارتفع خطر:
- سوء نفاذية التربة.
- قلوية التربة (Sodicity).
ملاحظة مبسطة:
- ملوحة عالية + صوديوم عالي + صرف ضعيف = وصفة سريعة لتدمير بنية التربة مع الوقت.
كيف نتعايش مع مشكلة الصوديوم؟
- إضافة الجبس الزراعي (كبريتات الكالسيوم) للتربة أو مع مياه الري في بعض الحالات؛
الكالسيوم يساعد على طرد الصوديوم من سطح حبيبات التربة. - الحرص على وجود صرف جيد يسمح بخروج الماء الزائد والأملاح.
- تجنب الإفراط في الري مع مياه عالية الصوديوم، حتى لا يُنقل الصوديوم بكثرة إلى العمق الذي تتركز فيه الجذور.
- في الحالات الشديدة، قد يكون من الأفضل:
- خلط مياه المصدر بمصدر آخر أقل ملوحة إن أمكن.
- أو تجنب محاصيل شديدة الحساسية.
ثالثًا: كيف يقرأ المزارع تقرير تحليل مياه الري عمليًا؟
عند استلام التقرير من المختبر، يمكن للمزارع أن يسأل نفسه الخطوات التالية:
- ما قيمة EC (الملوحة الكلية)؟
- منخفضة؟ متوسطة؟ عالية؟
- بناءً على ذلك يقرّر:
- هل يزرع محاصيل حساسة (مثل بعض الخضار)؟
- أم يتجه لمحاصيل أكثر تحمّلًا (مثل بعض الأعلاف أو أنواع معينة من الأشجار)؟
- ما مدى ارتفاع pH؟
- إذا كان قريبًا من 7 → غالبًا مقبول.
- إذا كان أعلى من 8 → يحتاج متابعة، وربما استخدام أسمدة أو إضافات حمضية.
- كيف هي البيكربونات؟
- إذا كانت مرتفعة مع وجود ترسيبات كلسية في أنابيب الري أو النقاطات → المشكلة مؤكدة.
- يمكن حينها التفكير في:
- الأحماض الزراعية.
- تحسين الصيانة وغسل الفلاتر والشبكة بانتظام.
- هل الصوديوم أو SAR مرتفعان؟
- إذا نعم، يجب الحذر من:
- تدهور بنية التربة.
- سوء نفاذية الماء.
- يمكن التخطيط لإضافة جبس زراعي وتحسين الصرف.
- إذا نعم، يجب الحذر من:
- هل هناك أيونات أخرى مرتفعة مثل الكلوريد؟
- الكلوريد العالي قد يسبب سمية مباشرة لبعض المحاصيل.
- تُظهر النباتات حينها حروقًا على حواف الأوراق (احتراق حواف الأوراق).
رابعًا: ماذا يفعل المزارع إذا كانت مياه الري “متوسطة” أو “ضعيفة” الجودة؟
ليس كل مزارع قادرًا على تغيير مصدر الماء، لذلك تبقى الخيارات العملية:
1. اختيار المحاصيل المناسبة
- تجنب المحاصيل شديدة الحساسية في مياه مالحة أو عالية الصوديوم.
- التركيز على أصناف أكثر تحمّلًا للملوحة أو جذور ملائمة.
2. تحسين الصرف
- حفر مصارف سطحية أو باطنية عند الإمكان.
- تجنّب ترك المياه راكدة حول الأشجار أو في الأحواض لفترات طويلة.
- في الأراضي الثقيلة يمكن استخدام حرث عميق وتحسين التركيب بإضافة مواد عضوية.
3. استخدام المادة العضوية والكومبوست
- المادة العضوية تساعد التربة على مقاومة الملوحة والصوديوم بقدر ما، وتزيد من:
- قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء المفيد.
- نشاط الكائنات الحية الدقيقة.
4. تنظيم الري
- استخدام الري بالتنقيط قدر الإمكان مع المياه المتوسطة أو المالحة؛
فهو يقلل من ملامسة الماء المالح للأجزاء الهوائية من النبات، ويسمح بالتحكم في الكميات. - استخدام “غسيل ملحي” (Leaching) بين فترة وأخرى بريّ زائد قليلًا مع صرف جيد لطرد الأملاح من منطقة الجذور.
5. استخدام إضافات محسّنة
- الجبس الزراعي: في حالة مياه مرتفعة الصوديوم وسوء نفاذية التربة.
- الأحماض الزراعية: في حال ارتفاع البيكربونات وقلوية الماء، بشرط الالتزام بالنِسَب الآمنة واستشارة مختص.
خامسًا: نصائح عملية عند عمل تحليل مياه الري
- يُفضَّل أخذ العينة من ماء جاري (من البئر أثناء الضخ، أو من خط الري) وليس من ماء راكد في حوض صغير.
- استخدام عبوة نظيفة غير ملوثة بالأسمدة أو المنظفات.
- كتابة بيانات بسيطة على العبوة:
- مصدر العينة (بئر رقم …، حوض …)
- تاريخ أخذ العينة.
- الاحتفاظ بنسخة من التقرير للرجوع إليها عند التخطيط للمحاصيل وبرامج التسميد.
خاتمة
تحليل مياه الري ليس رفاهية، بل هو أداة أساسية لإدارة المزرعة، تمامًا مثل تحليل التربة أو اختيار البذور.
معرفة قيم الملوحة، ودرجة الحموضة، والبيكربونات، والصوديوم تساعد المزارع على:
- اختيار المحاصيل المناسبة.
- تعديل طريقة الري والتسميد.
- حماية التربة من التملّح والتدهور على المدى البعيد.
كلما فهم المزارع أرقام التحليل بطريقة مبسطة، تحوّل التقرير من ورقة معقّدة إلى خريطة طريق تساعده على اتخاذ قرارات أفضل لمزرعته ومحصوله.