الماعز حيوان قوي ويتحمّل، لكن الاعتماد على التحمل وحده لا يكفي. ففي الواقع كثير من خسائر المربين (نفوق صغار، هزال، عرج، تراجع حليب/نمو) لا تأتي من “مرض مفاجئ” فقط، بل من سلسلة أخطاء إدارة بسيطة تتكرر يوميًا؛ مثل رطوبة الفرشة، والازدحام، وضعف التهوية، وعدم توازن التغذية، أو إدخال حيوانات جديدة دون حجر.
ولذلك فإن الرعاية الوقائية تعني بناء نظام يمنع المشكلة قبل أن تظهر، وفي الوقت نفسه يكشفها مبكرًا إن بدأت. وبالتالي تصبح التكلفة أقل بكثير من علاج القطيع بعد انتشار المشكلة.
1) لماذا الوقاية أهم من العلاج؟
الوقاية في قطعان الماعز تحقق فوائد مباشرة وواضحة. أولًا تقلل النفوق والخسائر، خصوصًا عند صغار الماعز. ثانيًا ترفع الإنتاج (حليب/لحم/ألياف)، لأن الحيوان السليم يأكل ويحوّل الغذاء بكفاءة. إضافةً إلى ذلك تقلل تكلفة الأدوية وتخفض تكرار الانتكاسات. وأخيرًا تحمي سمعة المزرعة عند بيع حيوانات أو منتجات مثل الحليب والمواليد.
وبناءً على ذلك إذا كنت ترى “نفس المشكلة” كل شهر، فغالبًا الحل ليس دواء جديدًا، بل تعديلًا في الإدارة.
2) اختلاف نظم التربية… والمبدأ واحد
قد تُربّى الماعز في نظام رعوي أو شبه رعوي يعتمد على المرعى معظم السنة. ومن جهة أخرى قد تُربّى في نظام شبه مكثف يجمع بين الرعي والعلف داخل الحظيرة. أما النظام المكثف فيعتمد على حظائر وتغذية منظمة طوال الوقت.
ومع ذلك ورغم اختلاف النظم، تبقى مبادئ النجاح ثابتة: سكن مناسب، وتغذية وماء، ونظافة وجفاف، وأمن حيوي، وبرنامج وقائي، وسجلات متابعة.
أولًا: السكن والبيئة (أساس الصحة)
3) التهوية: ليست رفاهية
الهواء الرديء يرفع مشكلات الجهاز التنفسي، كما يزيد الرطوبة والأمونيا. لذلك المطلوب هواء متجدد دون تيارات مباشرة على الحيوانات. كذلك يجب تقليل الروائح النفّاذة داخل الحظيرة؛ لأنها غالبًا علامة على أمونيا أو رطوبة زائدة. وفي الحر ينبغي منع ارتفاع الحرارة داخل الحظيرة. أما في البرد فيُفضّل تجنب “الإغلاق الكامل” الذي يحبس الرطوبة.
وبالتالي إذا لاحظت سعالًا متكررًا أو عيونًا مدمعة أو رائحة نفّاذة داخل الحظيرة، فغالبًا التهوية تحتاج تعديلًا.
4) الفرشة والجفاف: خط الدفاع ضد أمراض القدم
الرطوبة والاتساخ يكوّنان بيئة مثالية لالتهاب الحافر وتعفن القدم. لذلك اجعل الفرشة جافة دائمًا، وبدّلها عند البلل أو الاتساخ. بالإضافة إلى ذلك امنع تجمع الماء في أرضية الحظيرة أو حول المشارب. وأيضًا حافظ على ممرات جافة تقلل الانزلاق واحتكاك القدم.
5) المساحة وتقليل الازدحام
الازدحام يسبب منافسة شديدة على العلف والماء، كما يسبب ضغطًا نفسيًا يضعف المناعة. إلى جانب ذلك يزيد خطر الإصابات بالنطح، خصوصًا عند خلط مجموعات مختلفة.
لذلك اتبع مبدأً تنظيميًا بسيطًا: قسّم القطيع إلى مجموعات (صغار، حوامل، حلّابات/منتجات، ذكور، معزول/حجر). وعندها سترتفع الصحة العامة حتى لو كانت الإمكانيات محدودة.
ثانيًا: التغذية والماء (قلب الإنتاج)
6) طريقة تقديم العلف مهمة مثل نوعه
الماعز حيوان متصفّح يحب الأكل من ارتفاع، ولهذا لا يفضّل الأكل من الأرض. بالتالي استخدم معالف مرتفعة تمنع تلويث العلف بالروث والبول. كما يُنصح بتوفير أكثر من نقطة تغذية لتقليل احتكار المسيطرين للعلف. وفي المقابل تجنب رمي العلف على الأرض داخل الحظيرة لأنه يرفع خطر الأمراض.
7) الماء… العامل الذي يُنسى
قلة الماء تؤدي فورًا إلى انخفاض استهلاك العلف، ومن ثم تراجع الحليب والنمو. كذلك قد تزيد مشاكل الهضم. لذلك اجعل الماء نظيفًا ومتجددًا ومتوافرًا دائمًا. وأيضًا وفّر عددًا كافيًا من المشارب لمنع التزاحم.
8) المعادن والفيتامينات: نقص “صامت” لكن خسائره كبيرة
في كثير من القطعان المشكلة ليست في العلف فقط، بل في الأملاح والمعادن. وعند نقصها قد يظهر ضعف نمو وتأخر بلوغ. كما قد تظهر مشكلات خصوبة وتكرار إجهاض أو ضعف صغار. إضافةً إلى ذلك تضعف المناعة وتزيد الطفيليات، وقد تظهر مشاكل شعر أو جلد أو حوافر.
ولذلك يكون الحل غالبًا: خلطة أملاح معدنية مناسبة للماعز مع متابعة الاستهلاك دون إفراط. ومع ذلك تختلف الاحتياجات حسب طبيعة العلف والماء، لذا التقييم مع مختص يعطي نتيجة أدق.
ثالثًا: السلوك الاجتماعي وإدارة القطيع
9) كيف تمنع الإصابات والمشاكل السلوكية؟
الماعز اجتماعي ومنافس، ولهذا يكوّن ترتيب سيطرة داخل القطيع. لذلك أدخل الحيوانات الجديدة مع رفيقين لتقليل العزل. كما وفّر مساحة للهروب والابتعاد، خصوصًا في الحظائر المغلقة. وبالإضافة إلى ذلك افصل الذكور أو أدر إدخالها بحذر قرب موسم التناسل. وأخيرًا تذكّر أن الماعز ذو القرون غالبًا يهيمن على عديم القرون، لذا راقب الإصابات مبكرًا.
رابعًا: الأمن الحيوي والحجر الصحي
10) الحجر الصحي للحيوانات الجديدة: أهم إجراء وقائي
أكبر طريق لدخول الأمراض هو شراء أو إدخال حيوان جديد دون حجر. لذلك ضع خطة حجر عملية: مكان منفصل وسهل التنظيف، ومدة مناسبة حسب الإمكانات، مع مراقبة الشهية والحرارة والسعال والإسهال والعرج والجلد. كما يمكن مكافحة الطفيليات عند الحاجة قبل الخلط. وبعد ذلك يتم إدخال تدريجي بعد التأكد من السلامة.
11) عزل المريض فورًا
أي معزة منعزلة أو فاقدة شهية أو تهزل بسرعة أو تعرج أو لديها إسهال/سعال، يفضّل نقلها لمنطقة العزل للفحص. وبالتالي قد يمنع هذا الإجراء وحده انتشار المرض داخل القطيع.
خامسًا: برنامج صحي وقائي عملي
12) مكوّنات البرنامج
البرنامج الناجح عادة يشمل:
أ) فحص يومي سريع (5–10 دقائق):
هل تتحرك الحيوانات طبيعيًا؟ وهل يوجد منعزل أو مُنهك؟ كما هل العلف والماء يُستهلكان طبيعيًا؟ وأيضًا هل هناك إسهال أو سعال واضح؟
ب) تقليم الحوافر:
التقليم الدوري يقلل العرج، ومن ثم يمنع تعفن القدم. والهدف الحفاظ على شكل الحافر وتوازن القدم وتقليل تجمع الأوساخ.
ج) مكافحة الطفيليات:
أخطر خطأ هو العلاج العشوائي المتكرر دون خطة. لذلك راقب الحالة الجسمية والروث عند الاشتباه. كذلك نظّم الرعي لتقليل ابتلاع اليرقات. وعند الحاجة استخدم معالجة موجّهة بإشراف مختص لتقليل مقاومة الطفيليات.
د) التحصينات:
التحصين الوقائي أرخص من علاج التفشّي. لذلك سجّل كل جرعة: تاريخها والمجموعة والملاحظات.
هـ) تجهيز موسم الولادة:
هنا تُحسم أرباح أو خسائر كثيرة. لذلك جهّز مكان ولادة نظيفًا وجافًا، وقلّل الازدحام، وراقب دون تدخل زائد. وبعد الولادة اهتم بدفء الصغار ورضاعة اللبأ والنظافة.
سادسًا: المتابعة والسجلات
13) لماذا السجلات مهمة؟
السجلات تجيبك بوضوح: من يمرض كثيرًا ولماذا؟ ومتى يزيد الإسهال؟ وهل برنامج الطفيليات فعّال؟ كما هل النفوق مرتبط بموسم الولادة؟
لذلك استخدم سجلات بسيطة:
- سجل ولادات (تاريخ، أم، عدد مواليد، ملاحظات).
- سجل علاجات (الحيوان، السبب، العلاج، الاستجابة).
- سجل نفوق (التاريخ، العمر، أعراض قبل النفوق).
- سجل إنتاج (حليب/أوزان نمو إن توفر).
14) التحقيق في النفوق
حتى لو لا توجد مختبرات قريبة، فحص ميداني بسيط قد يعطي سببًا محتملًا. ومع ذلك عند تكرار النفوق، اطلب تقييمًا متخصصًا، لأن التكرار غالبًا يشير لمشكلة إدارة أو عدوى أو تغذية.
أخطاء شائعة تُسقط أي برنامج وقائي
رطوبة دائمة في الفرشة، وكذلك ازدحام الحظيرة وخلط مجموعات بلا تنظيم. إضافةً إلى ذلك إدخال حيوانات جديدة دون حجر، وتقديم العلف على الأرض، ومعالجة الطفيليات عشوائيًا. وأخيرًا غياب السجلات يجعل نفس المشكلة تعود كل موسم.
خاتمة عملية
نجاح تربية الماعز ليس في بروتوكول “سحري”، بل في الاستمرار على أساسيات واضحة: جفاف ونظافة، وتهوية ومساحة، وماء وعلف بطريقة صحيحة، وحجر وعزل، وبرنامج وقائي وسجلات. وعند ضبط ذلك ستلاحظ قلة الأمراض وزيادة النمو والإنتاج وهدوء إدارة القطيع.