تُعَدّ برامج التحصين أداة أساسية للسيطرة على أمراض القطيع، لكن اللقاح لا يوفّر حماية 100%، وقد يفشل أحيانًا في منع المرض رغم الالتزام الظاهري بالبرنامج. فهم أسباب فشل اللقاح، ومعرفة الآثار الجانبية المحتملة، يساعد المربي والطبيب على تحسين النتائج وتقليل الخسائر.
أولاً: متى ولماذا يفشل اللقاح في حماية الحيوان؟
1. مشاكل مرتبطة بنفس اللقاح (نادرًا)
في بعض الحالات، قد لا يكون اللقاح نفسه مناسبًا، مثلًا:
- احتواؤه على سلالات أو مستضدات مختلفة عن العترة المنتشرة في الحقل.
- تلف الحواتم الواقية (protective epitopes) أثناء التصنيع أو التخزين.
- كمية غير كافية من المستضد في الجرعة.
هذه الحالات قليلة نسبيًا، ويمكن تجنّبها غالبًا بالاعتماد على شركات لقاحات موثوقة واللقاحات المرخَّصة رسميًا.
2. أخطاء التخزين والإعطاء (أكثر سبب عملي للفشل)
غالبية مشاكل فشل اللقاح في الميدان ترجع إلى طريقة التعامل معه، مثل:
- العطل في سلسلة التبريد (انقطاع تبريد، تجميد غير مناسب، ترك اللقاح في الشمس).
- خلط اللقاح بطريقة خاطئة أو استخدام محلّل (diluent) غير مناسب.
- استخدام مضادات حيوية بالتزامن مع لقاحات حية بكتيرية مما يقلل حيويتها.
- إعطاء اللقاح بجرعة ناقصة أو وصول الحقنة خارج النسيج المستهدف (مثلًا تسرب SC بدل IM).
تأثير طريق الإعطاء
طريقة الإعطاء قد تؤثر بقوة على كفاءة اللقاح:
- الرش أو ماء الشرب في الدواجن / المنك:
- الرذاذ قد لا يتوزع بالتساوي على كل الطيور.
- بعض الطيور لا تشرب كمية كافية من الماء الملقَّح.
- الكلور في ماء الشرب قد يُثبط أو يقتل الفيروسات/البكتيريا في اللقاح الحي.
لذلك، من المهم التحكم في تركيز الكلور، وتجانس الرش، وضمان شرب جميع الطيور قدر الإمكان.
3. التطعيم أثناء حضانة المرض
إذا كان الحيوان مصابًا بالفعل والمرض في فترة الحضانة قبل ظهور الأعراض، فإن:
- الجهاز المناعي يكون متورطًا بالفعل في مواجهة العامل الممرض.
- اللقاح لن يُلحق بالاستجابة المناعية في الوقت المناسب.
عمليًا، التطعيم لا يعالج مرضًا قد بدأ بالفعل، بل هو أداة وقائية، لا علاجية.
4. الأجسام المناعية الأمومية (Maternal antibodies)
في صغار الحيوانات، تُعتبر الأجسام المناعية القادمة من الأم عبر اللبأ (Colostrum) أهم أسباب فشل اللقاح:
- هذه الأجسام تتعرّف على المستضد الموجود في اللقاح وتقوم بتحييده قبل أن يحفّز مناعة ذاتية قوية.
- النتيجة: استجابة مناعية ضعيفة أو معدومة رغم إعطاء اللقاح.
المشكلة أن:
- الأجسام الأمومية تنخفض تدريجيًا مع الوقت،
- لكن وقت الفقدان الكامل لا يمكن تحديده بدقة ويختلف بين أفراد القطيع.
لذلك تُوصي البرامج العملية بـ:
- تكرار الجرعات في الصغار (سلسلة تطعيمات)،
- مع تطبيق إجراءات أمان حيوي (Biosecurity) جيدة حتى يكتمل بناء المناعة الفعالة.
5. اختلاف الاستجابة المناعية بين الأفراد (الإحصاء ضدك أحيانًا!)
الاستجابة المناعية عملية بيولوجية تختلف من حيوان لآخر:
- معظم الحيوانات → استجابة متوسطة جيدة.
- نسبة قليلة → استجابة ممتازة.
- نسبة أخرى → استجابة ضعيفة أو شبه معدومة.
حتى مع لقاح فعّال جدًّا، يستحيل عمليًا حماية 100% من الحيوانات.
حجم هذه الفئة غير المستجيبة يختلف حسب:
- نوع اللقاح،
- نوع العامل المسبب،
- حالة الحيوان.
أهمية ذلك في الأمراض شديدة العدوى
- في أمراض مثل الحمّى القلاعية:
- الحيوان غير المحمي = ثغرة خطيرة في القطيع.
- قد يسمح بمرور الفيروس واستمرار دورة العدوى وفشل برامج السيطرة.
- في أمراض تنتقل ببطء نسبيًا مثل السعار:
- وصول مستوى التحصين في القطيع إلى 60–70% غالبًا كافٍ لقطع سلسلة العدوى،
- فيكون مقبولًا من منظور الصحة العامة حتى لو لم تُحصَّن كل الأفراد عمليًا.
6. مناعة ضعيفة أو مثبَّطة في الحيوان
حتى مع لقاح ممتاز وبرنامج صحيح، يمكن أن يفشل التحصين إذا كان الجهاز المناعي للحيوان في حالة ضعف أو تثبيط:
- إصابة شديدة بالطفيليات.
- سوء تغذية ونقص طاقة أو بروتين أو معادن.
- إجهاد شديد:
- حمل متقدم.
- حرارة/برد قاسي.
- إرهاق، نقل لمسافات طويلة، أو ازدحام شديد.
هذه العوامل ترفع إفراز الهرمونات المثبِّطة للمناعة (خاصة الكورتيزول)، فتضعف الاستجابة للقاح.
القاعدة العملية:
لا تُطعّم حيوانًا مرهقًا، منهكًا، أو مريضًا ظاهريًا.
ثانياً: الآثار الجانبية ومخاطر اللقاحات في الطب البيطري
رغم أن اللقاحات الحديثة المرخَّصة تُراجع بدقة من حيث السلامة والجودة، إلا أنها ليست خالية تمامًا من المخاطر.
1. الآثار الجانبية الشائعة والخفيفة
- ألم أو تورّم بسيط في مكان الحقن.
- ارتفاع بسيط في الحرارة مع خمول مؤقت.
- فقدان شهية ليوم واحد في بعض الحيوانات.
هذه عادةً تفاعلات محدودة وعابرة، ولا تستدعي القلق إلا إذا كانت شديدة أو متكررة.
2. الحساسية (فرط التحسس Type I)
يمكن أن يسبب اللقاح تفاعلًا تحسسيًا ضد:
- بروتينات اللقاح نفسها،
- أو البقايا الآتية من بيض الدجاج أو خلايا الزرع النسيجي المستخدمة في الإنتاج.
قد تتراوح الصورة من:
- حكة، تورّم موضعي، شرى (urticaria)،
- إلى صدمة تحسسية (Anaphylaxis) نادرة لكنها خطيرة.
تزداد احتمالية هذه التفاعلات مع التطعيمات المتكررة (خاصة اللقاحات الميتة المعاد حقنها عدة مرات).
3. تفاعلات معقّدات مناعية (Type III)
تنتج عن ترسّب معقّدات مناعية (Antigen–Antibody complexes)، وقد تسبب:
- التهابًا موضعيًا شديدًا في مكان الحقن،
- أو اضطرابًا وعائيًا عامًّا مثل الفرفرية (Purpura).
مثال كلاسيكي:
- تعكّر القرنية في الكلاب بعد لقاح CAV-1 (لقاح حي) ضد التهاب الكبد الكلابي،
- مما دفع لاستخدام لقاح CAV-2 بدلًا منه لتقليل هذه المشكلة.
4. فرط التحسس المتأخر (Type IV) والالتهابات المزمنة
قد يحدث:
- تكوين حبيبومات (Granulomas) أو كتل التهابية في مكان الحقن،
خصوصًا مع استخدام أدجوفانت زيتي (Depot adjuvant). - في القطط، بعض الالتهابات المزمنة في موضع لقاحات طويلة المفعول قد تتطور مع الوقت إلى:
- ساركوما مرتبطة باللقاح (Vaccine-associated sarcoma) – نادرة لكنها مهمة سريريًا.
5. تأثيرات خاصة باللقاحات الحية المعدّلة (Modified Live Vaccines)
في بعض الحالات:
- قد يُسبب اللقاح مرضًا في حيوان منقوص المناعة.
- بعض لقاحات الفيروسات الحية مثل اللسان الأزرق في النعاج الحوامل، تم ربطها بحدوث تشوهات خلقية للأجنة إذا أُعطيت في فترة الحمل.
مثال آخر:
- تنشيط عدوى فيروسية كامنة بعد التطعيم، مثل:
- إعادة تنشيط فيروس هربس الخيول بعد تحصين ضد أمراض أخرى (نتيجة الإجهاد المناعي).
6. السمّية الناتجة عن مكونات اللقاح
- اللقاحات التي تحتوي على بكتيريا سالبة الجرام ميتة قد تحمل معها آثارًا من الاندوتوكسين، مما قد يؤدي إلى:
- ارتفاع حرارة،
- نقص كريات بيضاء (Leukopenia)،
- وفي بعض الحالات الحساسة: إجهاض.
ثالثاً: توصيات عملية للأطباء والمربين لتقليل فشل اللقاح والمخاطر
- اختيار لقاحات مرخَّصة ومن شركات موثوقة، ومتابعة نشرات الشركات والهيئات البيطرية.
- الالتزام بسلسلة التبريد من لحظة الاستلام حتى لحظة الحقن.
- عدم خلط اللقاحات عشوائيًا؛ فقط الخلطات المعتمدة من الشركة.
- تجنّب تلقيح:
- الحيوانات المريضة،
- المنهكة أو شديدة الهزال،
- الحوامل، إلا إذا كان اللقاح مصممًا ومصرَّحًا للحيوانات الحوامل.
- في برامج الصغار:
- بناء جدول جرعات متكررة لتجاوز فترة تداخل الأجسام الأمومية.
- مراقبة القطيع بعد التحصين:
- ملاحظة أي تفاعلات غير طبيعية،
- توثيقها وربطها باللقاح المستخدم،
- وإبلاغ الشركة/الجهة الرقابية في حال الشك في مشكلة سلامة.
- تذكُّر قاعدة ذهبية: اللقاح يقلل الخطر ولا يلغيه، ولا يغني عن الإدارة الجيدة والأمان الحيوي.