تلعب اللقاحات البيطرية دورًا أساسيًا في حماية القطعان والحيوانات الأليفة من الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيليات الخطيرة. نجاح أي برنامج تحصين لا يعتمد فقط على نوع اللقاح، بل أيضًا على طريقة إعطائه، وتوقيت الجرعات، واختيار اللقاحات المناسبة (أساسية أو اختيارية)، وكيفية التفريق بين الحيوان الملقَّح والمصاب طبيعيًا (DIVA).
في هذا المقال نستعرض بشكل مبسّط ومنظم أهم النقاط العملية التي تهم الطبيب البيطري والمربّي.
أولاً: طرق إعطاء اللقاحات في الحيوانات
1. الحقن تحت الجلد (SC) أو في العضل (IM)
هذه هي أكثر الطرق شيوعًا في الحيوانات المختلفة، مثل الأبقار والأغنام والماعز والكلاب والقطط.
مميّزاتها:
- مناسبة عندما يكون عدد الحيوانات قليلًا أو متوسطًا.
- ممتازة للأمراض التي تحتاج إلى مناعة جهازية قوية (Systemic immunity).
- يقدر الطبيب أن يتأكد من أن:
- الحيوان أخذ الجرعة كاملة.
- اللقاح أُعطي بالطريقة الصحيحة وفي الحيوان الصحيح.
2. اللقاحات عن طريق الأنف (Intranasal)
بعض الأمراض تحتاج إلى مناعة موضعية في الأغشية المخاطية أكثر من حاجتها لمناعة جهازية، لذلك نلجأ إلى إعطاء اللقاح من منفذ الدخول الطبيعي للمسبب المرضي.
أمثلة على لقاحات أنفية:
- التهاب الأنف والقصبات المعدي في الأبقار (IBR).
- بعض لقاحات:
- القطط (التهاب الأنف والرغامى، والكاليسي فيروس).
- الدواجن (التهاب الشعب الهوائية المعدي، النيوكاسل).
ميزة رئيسية:
تعزيز المناعة الموضعية في الأغشية المخاطية للجهاز التنفسي، وبالتالي تقليل شدة العدوى وانتشارها.
عيب محتمل:
غالبًا يجب التعامل مع كل حيوان على حدة، مما يستهلك وقتًا وجهدًا في القطعان الكبيرة.
3. الرش (Spray) أو الرذاذ في قطعان الطيور
في مزارع الدواجن الكبيرة، يصعب مسك كل طائر بمفرده، لذلك تستخدم أنظمة رش أو ضباب لقاحي داخل العنابر:
- الطيور تستنشق قطرات اللقاح.
- هذه الطريقة مناسبة جدًا عندما يكون القطيع كبيرًا.
- تُستخدم بكثرة في:
- لقاحات النيوكاسل.
- لقاحات الأمراض التنفسية في الدواجن.
4. اللقاح في ماء الشرب أو العلف
يستخدم الأطباء هذه الطريقة خاصة في:
- الدواجن: لقاحات النيوكاسل، التهاب الدماغ الطيري (Avian encephalomyelitis).
- الخنازير في المزارع الحديثة: لقاحات معينة تُخلط في ماء الشرب.
شروط نجاح الطريقة:
- ضبط تركيز اللقاح في الماء.
- التأكد من أن جميع الحيوانات تشرب خلال فترة محددة.
- إيقاف مصادر الماء الأخرى حتى لا يقل تركيز الجرعة الفعالة.
5. التغطيس أو الغمر في الأسماك والروبيان
في الأسماك والجمبري (Shrimp) يمكن استخدام طريقة الغمر (Immersion):
- تُوضع الأسماك في محلول يحتوي على اللقاح لفترة محددة.
- يمتص الجلد والخياشيم المستضد (Antigen).
- تُعد طريقة عملية لتحصين أعداد كبيرة من الأسماك في وقت قصير.
ثانياً: اللقاحات المركّبة (Combination Vaccines)
لكي لا يتعرض الحيوان لعدد كبير من الحقن، طوّرت الشركات لقاحات مركّبة تحتوي على أكثر من مستضد في نفس الجرعة.
أمثلة:
- في الأبقار (مجمع أمراض الجهاز التنفسي):
- فيروس التهاب الأنف والقصبات (IBR).
- فيروس الإسهال الفيروسي البقري (BVD).
- فيروس الجهاز التنفسي المخلوي البقري (BRSV).
- فيروس parainfluenza-3.
- Mannheimia haemolytica.
- في الكلاب والقطط:
- لقاحات مدمجة تغطي أكثر من مرض في حقنة واحدة (مثل ديستمبر، بارفو، أديتوفيرس وغيرها).
نقاط مهمة (Pearls & Pitfalls):
- الجهاز المناعي قادر على التعامل مع عدة مستضدات في وقت واحد، لذلك إعطاء أكثر من لقاح في نفس الزيارة لا يُرهق المناعة في الحيوان السليم.
- مع ذلك، المشكلة ليست في المناعة، بل في تركيب اللقاح:
- المستضدات قد تتنافس فيما بينها داخل نفس الجرعة.
- لذلك، تقوم الشركات بضبط التركيب بحيث تضمن استجابة جيدة لكل مكوّن.
- ممنوع خلط لقاحات مختلفة عشوائيًا في نفس السرنجة أو الزجاجة:
- قد يسيطر مستضد على الآخر.
- قد يفسد المستحضر أو تقل فاعليته.
- الأفضل دائمًا الالتزام بما هو مُسجّل من الشركة المصنعة وعدم الابتكار في الخلط.
ثالثاً: مبادئ جداول التحصين في الحيوانات
1. تأثير الأجسام المناعية الأمومية (Maternal Antibodies)
المواليد الجدد يعتمدون في بداية حياتهم على:
- الأجسام المناعية القادمة من الأم عبر:
- الدم أثناء الحمل في بعض الأنواع.
- أو بشكل رئيسي عبر اللبأ (Colostrum) بعد الولادة في المجترات والخيول وغيرها.
هذه الأجسام:
- تحمي المولود من الأمراض خلال الأسابيع الأولى.
- لكنها في نفس الوقت تثبِّط استجابة اللقاح إذا أُعطي مبكرًا.
لذلك لا يمكن عادةً تحصين الحيوان الصغير بفعالية قبل أن تنخفض مستويات الأجسام المناعية الأمومية.
2. تطعيم الأم في أواخر الحمل
عندما يريد الطبيب رفع الحماية في المواليد خلال أول أسابيع، ممكن أن:
- يُطعّم الأم الحامل في أواخر الحمل.
- يختار توقيت الجرعة بحيث تصل الأم إلى قمة مستوى الأجسام المناعية وقت تكوين اللبأ.
- بذلك يحصل المولود على جرعة عالية من الأجسام المضادة الواقية.
⚠️ تنبيه مهم:
لا يجوز استخدام لقاحات فيروسية حيّة معدّلة (Modified live) للأمراض المُجهضة في الحيوانات الحامل، لأنها قد تسبب الإجهاض.
3. نافذة الخطر (Window of Susceptibility)
مع مرور الوقت:
- تنخفض الأجسام المناعية الأمومية بشكل تدريجي (منحنى تناقص أُسّي).
- يحصل وضع خطير أحيانًا:
- مستوى الأجسام المناعية أصبح أقل من مستوى الحماية.
- لكنه لا يزال يكفي لتعطيل اللقاح ومنع الاستجابة المناعية الكاملة.
لهذا السبب:
- لا يمكن التنبؤ بدقة باليوم الذي يفقد فيه كل مولود حمايته الأمومية.
- لذلك تُوصى جداول التحصين في الصغار بـ عدة جرعات متتالية (سلسلة تحصين):
- مثلاً: عند عمر 6–8 أسابيع، ثم 10–12 أسبوعًا، ثم 14–16 أسبوعًا.
- مع الالتزام بإجراءات الأمن الحيوي حتى تتكوّن المناعة الفعالة.
4. مدة المناعة (Duration of Immunity)
مدة المناعة بعد اللقاح تختلف حسب:
- نوع المستضد.
- هل اللقاح حي معدّل أم ميت (Inactivated).
- نوع المساعد (Adjuvant).
- طريقة الإعطاء.
بعض اللقاحات:
- قد تعطي مناعة تدوم لسنوات عديدة.
- وبعضها يحتاج إلى جرعات تقوية كل 1–3 سنوات.
المشكلة أن:
- الحد الأدنى لمستوى الحماية ليس نفسه في كل حيوان.
- يوجد تفاوت كبير بين:
- أقصر مدة حماية في الحيوانات الأكثر حساسية.
- وأطول مدة حماية في الحيوانات الأقوى مناعيًا.
لذلك:
- البروتوكولات المعتمدة من الجهات الرسمية والشركات تمثل الحد الأدنى المضمون الذي تدعمه الدراسات.
- الطبيب البيطري يقيّم المخاطر والفوائد عند تمديد الفواصل بين الجرعات من عدمه.
5. فحوص الأجسام المناعية (Antibody Titers)
يوجد حاليًا اختبارات سريعة (Point-of-care) لقياس مستوى الأجسام المضادة في الدم:
- إذا كان الحيوان يمتلك عيارًا كافيًا من الأجسام المضادة ضد مرض معين:
- يمكن تأجيل جرعة اللقاح.
- ذلك يساعد في:
- تجنّب التحصين غير الضروري.
- تقليل التكاليف.
- تهدئة مخاوف بعض المربين من فرط اللقاح.
رابعاً: اللقاحات الأساسية والاختيارية (Core vs Non-core)
البروتوكولات الحديثة في الكلاب والقطط والماشية تقسم اللقاحات إلى:
1. لقاحات أساسية (Core)
هذه اللقاحات:
- يجب أن يحصل عليها كل أفراد النوع في الظروف الطبيعية.
- تحمي من:
- أمراض شديدة.
- واسعة الانتشار.
- أو ذات خطر على الصحة العامة (Zoonotic).
مثال في الكلاب (في كثير من الدول):
- ديستمبر (Canine distemper).
- بارفو فيروس.
- أديتوفيرس (CAV-1/CAV-2).
- السعار (Rabies).
2. لقاحات اختيارية (Non-core)
هذه اللقاحات:
- تُستخدم فقط عندما تبرر الظروف ذلك.
- مثل أن يكون الحيوان:
- في منطقة موبوءة.
- أو يشارك في معارض، أو يختلط كثيرًا بحيوانات أخرى.
أمثلة في الكلاب:
- كورونا فيروس الكلاب.
- Parainfluenza.
- Bordetella bronchiseptica (سعال الكلاب).
- ليبتوسبيرا.
- لايم ديزيز (Borrelia).
القرار النهائي يعتمد على:
- العوامل الوبائية في المنطقة.
- نمط حياة الحيوان.
- تقييم الطبيب البيطري.
خامساً: لقاحات DIVA والتمييز بين الملقّح والمصاب
في نظام مكافحة أو استئصال بعض الأمراض، تحتاج الجهات البيطرية إلى:
- معرفة هل الحيوان:
- أُصيب طبيعيًا بالمرض.
- أم تلقّى لقاحًا فقط.
في العادة:
- كل من العدوى الطبيعية والتطعيم يُنتجان أجسامًا مضادة ضد مكونات الميكروب، لذلك:
- فحص الدم وحده لا يفرّق بين الاثنين.
مفهوم لقاحات DIVA
DIVA = Differentiating Infected from Vaccinated Animals
الفكرة:
- إزالة مستضد غير وقائي من تركيب اللقاح.
- عند ذلك:
- الحيوان الملقّح لن يُكوّن أجسامًا مضادة ضد هذا المستضد.
- الحيوان المصاب طبيعيًا سيُكوّن أجسامًا مضادة ضده.
- نستخدم اختبار سيرولوجي (مثل ELISA) موجّه لهذا المستضد المحدد:
- إذا ظهر في الدم → الحيوان مصاب طبيعيًا.
- إذا لم يظهر → الحيوان فقط ملقَّح.
مثال تطبيقي
تم استخدام لقاحات DIVA في:
- استئصال مرض آوجِسكي (Aujeszky’s disease)
(الهربس الخنازيري من النوع 1) في قطعان الخنازير التجارية في عدد من الدول المتقدمة.
هذه الاستراتيجية سمحت:
- بالاستمرار في التحصين.
- مع القدرة على استكمال برامج الاستئصال اعتمادًا على التمييز بين الحالات الحقيقية والملقَّحة.
سادساً: نقاط عملية للطبيب البيطري والمربّي
- لا يمكن الاعتماد على جرعة واحدة في الصغار بسبب تأثير الأجسام المناعية الأمومية.
- يجب الالتزام بـ سلسلة جرعات وفق البروتوكول المعتمد.
- لا يجوز خلط لقاحات مختلفة عشوائيًا في نفس السرنجة.
- يمكن إعطاء عدة لقاحات في نفس الزيارة للحيوان السليم دون خوف على الجهاز المناعي.
- فحوص الأجسام المناعية (Titers) أداة مفيدة لتقليل التحصين غير الضروري في بعض الحالات.
- اختيار اللقاحات الاختيارية يعتمد على:
- الوضع الوبائي.
- نمط تربية الحيوان.
- أهداف المربي.
- استخدام لقاحات DIVA خيار استراتيجي في برامج مكافحة واستئصال الأمراض على مستوى الدولة أو الإقليم.