عندما يقلّ الماء فجأة (ضعف ضخ البئر، تقنين الشبكة، أو موسم جفاف)، أول خطأ يقع فيه كثير من المزارعين هو توزيع النقص بالتساوي على كل المحاصيل. هذا يبدو “عادلًا”، لكنه غالبًا يرفع الخسارة؛ لأن بعض المحاصيل تتضرر بسرعة عند نقص الماء، بينما محاصيل أخرى تتحمل النقص لفترة دون انهيار كبير في الإنتاج.

الفكرة الأذكى هي: نُعطي الماء حيث يمنع أكبر خسارة، ثم نقلّل أو نوقف حيث تكون الخسارة “أقل ضررًا”.

1) القاعدة الذهبية: لا تقسّم العجز بالتساوي

عند الشح، الهدف ليس أن يحصل كل شيء على نفس كمية الماء، بل أن تحافظ على:

  • المحاصيل الأعلى قيمة أو الأعلى ربحًا.
  • المراحل الحسّاسة التي إذا عطشت فيها النباتات تخسر الإنتاج أو الجودة بشكل واضح.
  • الحد الأدنى للحياة في المحاصيل الدائمة (الأشجار) حتى لا تتضرر للموسم القادم.

هذا يتوافق مع فكرة “العلاقة بين نقص الماء وخسارة المحصول” التي تشرح أن الخسارة ليست خطية دائمًا، وتختلف حسب نوع المحصول والمرحلة.

2) كيف ترتّب محاصيلك حسب الحساسية؟

اكتب قائمة محاصيلك ثم أعطِ كل محصول نقاطًا من 1 إلى 5 في أربعة محاور. بعد ذلك اجمع النقاط، وستخرج “الأولوية” تلقائيًا.

(أ) حساسية المحصول للعطش (1–5)

  • 5 = يتضرر بسرعة (خصوصًا أثناء التزهير/العقد)
  • 1 = يتحمل النقص نسبيًا

المرجع العام هنا أن حساسية المحاصيل تختلف، وأن خسارة الإنتاج ترتفع مع نقص الاستهلاك المائي (ET) بطريقة تختلف من محصول لآخر.

(ب) مرحلة النمو الحالية (1–5)

  • 5 = مرحلة حرجة الآن
  • 1 = مرحلة أقل حساسية

قاعدة عملية للمزارع:
الخضار الثمرية (مثل الطماطم والفلفل والخيار) تكون من أكثر المحاصيل حساسية عند التزهير وتكوين الثمار وتضخيمها.

(ج) قيمة المحصول/العائد (1–5)

  • 5 = ربحية عالية أو سوق مضمون
  • 1 = ربحية أقل

(د) إمكانية “إنقاذ الموسم” إذا قلّ الماء (1–5)

  • 5 = إذا أعطيته الحد الأدنى يبقى الإنتاج مقبولًا
  • 1 = إذا نقص الماء ينهار سريعًا

المعادلة: الأولوية = الحساسية + المرحلة + القيمة + قابلية الإنقاذ

3) “قائمة أولويات” جاهزة (قابلة للتعديل حسب مزرعتك)

هذه ليست قاعدة ثابتة للجميع، لكنها نقطة بداية قوية:

1:أولوية عالية جدًا

  • الخضار الثمرية أثناء التزهير والعقد وتكوين الثمار (طماطم، فلفل، خيار، كوسا، بطيخ/شمام)
  • المشاتل والشتلات الحديثة (أي نقص ماء هنا يعني فقد نباتات)
  • المحاصيل ذات العقد الحساس أو الجودة المرتبطة بالماء

2:أولوية متوسطة

  • محاصيل في منتصف النمو الخضري
  • محاصيل ورقية (حساسيتها موجودة لكن تختلف حسب المرحلة والسوق)
  • أشجار مثمرة بعد الحصاد: لا تُهملها تمامًا لأن تكوين براعم الموسم القادم قد يتأثر في بعض الأنواع.

3:أولوية أقل (عند الشح الشديد)

  • محاصيل قاربت النضج ويمكن تقليل الري تدريجيًا
  • مساحات منخفضة الربح ويمكن تقليصها مبكرًا “لحماية الباقي”

4) قرارات “إنقاذ الموسم” عند الشح: ماذا تفعل خطوة بخطوة؟

1: احسب “الماء المتاح أسبوعيًا”

لا تحتاج أرقام معقدة. فقط:

  • كم ساعة ضخ لديك؟
  • كم متر مكعب تقريبي يخرج من البئر/الشبكة في الساعة؟
  • أو على الأقل: هل الماء اليوم نصف المعتاد أم ثلثه؟

2: احسب “الاحتياج الأساسي” للمحاصيل ذات الأولوية

هنا لا نريد 100% من الاحتياج، بل حد يمنع الانهيار. الفكرة اسمها “الري الناقص/الري بالعجز” أي إعطاء ماء أقل من الاحتياج الكامل لتقليل الخسارة، مع التركيز على المراحل الحرجة.

3: طبّق قرارًا واضحًا بدل التوزيع العشوائي

اختر واحدًا من هذه القرارات حسب شدة الشح:

(أ) شح خفيف (نقص 10–25%)

  • قلّل الماء من المحاصيل الأقل حساسية أولًا
  • حافظ على الري في المراحل الحرجة للمحاصيل الحساسة

(ب) شح متوسط (نقص 25–50%)

  • احمِ المحاصيل ذات الأولوية العالية بالكامل قدر الإمكان
  • طبّق ريًا ناقصًا على محاصيل متوسطة الأولوية
  • قلّص مساحة أو دورة الري للمحاصيل الأقل أولوية

(ج) شح شديد (أكثر من 50%)

  • اتخذ قرار “تضحية محسوبة”:
    أوقف أو قلّص بشدة جزءًا من المساحة منخفضة الربح لتنجو المساحة الأعلى ربحًا
  • للأشجار: لا توقف الري كليًا؛ حافظ على “ري بقاء” لتجنب ضرر طويل المدى

5) أين لا يجوز أن تقطع الماء؟ (المراحل الحرجة)

هذه النقطة وحدها تقلل الخسارة كثيرًا:

  • الخضار الثمرية: التزهير والعقد وتضخيم الثمار هي الأكثر حساسية؛ نقص الماء هنا يقلل العقد ويضعف الجودة.
  • بعد الشتل/الزراعة مباشرة: الري يساعد على تثبيت الشتلات وتحسين نسبة النجاح.
  • الأشجار المعمّرة في فترات مهمة لبناء المخزون وتكوين براعم الموسم القادم (تختلف حسب النوع والوقت)؛ لذلك يُنصح بعدم قطع الري تمامًا قبل سقوط الأوراق في بعض محاصيل الفاكهة.

6) إجراءات سريعة تقلل استهلاك الماء دون “صدمة” للمحصول

هذه حلول عملية، خصوصًا في الأسابيع الصعبة:

  1. الري في الصباح الباكر أو المساء لتقليل الفواقد بالتبخر.
  2. تقسيم الري إلى دفعات قصيرة بدل دفعة طويلة إذا كانت التربة خفيفة.
  3. التغطية (Mulch) لتقليل تبخر سطح التربة.
  4. إزالة الأعشاب لأنها تنافس المحصول على الماء.
  5. تثبيت نظام تنقيط وصيانة التسريب: أي تسريب صغير يتراكم ويصبح خسارة كبيرة مع الشح. (تحسين كفاءة الاستخدام نقطة مركزية في أدبيات إدارة الماء).

7) نموذج قرار مختصر: “كيف أوزع الماء اليوم؟”

استخدم هذا التسلسل:

  1. هل عندي شتلات جديدة أو محصول في تزهير/عقد؟
    → هذا يأخذ الأولوية.
  2. هل عندي أشجار مثمرة؟
    → لا أقطع الماء كليًا؛ أحافظ على حد بقاء.
  3. ما المحصول الأقل ربحًا أو الأقرب للنضج؟
    → هنا يكون التخفيض الأكبر.
  4. إذا بقي عجز كبير:
    → قلّص مساحة أو عدد خطوط ري بدل إضعاف كل شيء.

الخلاصة

عند شح المياه، الإدارة الناجحة لا تعني “الكل يأخذ قليلًا”، بل تعني ترتيب الأولويات: نحمي المحاصيل الأكثر حساسية والأعلى ربحًا، ونركز على المراحل الحرجة، ونستخدم الري الناقص بحكمة لتقليل الضرر. هذا الأسلوب مدعوم بفكرة أن خسارة الإنتاج ترتبط بدرجة العجز المائي وتختلف حسب المحصول والمرحلة.