تغذية الأغنام ليست «وصفة ثابتة»؛ بل برنامج متكامل يتغيّر حسب العمر، والمرحلة الإنتاجية، ونظام التربية (مرعى، حظيرة، تسمين…). اختيار العليقة الصحيحة في الوقت الصحيح ينعكس مباشرة على:
- نسبة التوائم وحجم المواليد
- سرعة نمو الحملان ووصولها لوزن التسويق
- كمية الحليب التي تدرّها النعاج
- وزن الصوف وجودته
- صحة القطيع وربحية المشروع
في هذا المقال نستعرض أهم ممارسات تغذية الأغنام، مع تبسيط الأرقام لتناسب المربّي العربي، مع الحفاظ على الدقة قدر الإمكان.
أولًا: أهمية جودة الأعلاف الخشنة (الدريس والسيلاج)
الأغنام تجيد استغلال الأعلاف الخشنة عالية الجودة، سواء كانت:
- دريس (تبن مجفف من خليط حشائش وبقوليات مثل برسيم/دريس حجازي مع نجيليات)، أو
- سيلاج منخفض الرطوبة من خليط حشائش–بقوليات، أو
- علف أخضر مقطّع يقدم في الحظيرة.
لكن هناك قاعدة أساسية:
الدريس عالي الجودة يمكن أن يكون علفًا إنتاجيًا ممتازًا،
أما الدريس الرديء فلن يصلح إلا لصيانة القطيع فقط ولو كان متوفرًا بوفرة.
ما الذي يحدد جودة الدريس والسيلاج؟
- تركيب النبات:
خليط من حشائش وبقوليات (مثل برسيم/برسيم حجازي مع شعير أو حشيش) أفضل من نوع واحد فقير. - مرحلة الحش:
يُفضَّل حشّ الحشائش قبل الإسناد (قبل ظهور السنابل) والبرسيم قبل وصوله إلى حوالى عُشر التزهير؛ للحفاظ على القيمة الغذائية. - طريقة وسرعة التجفيف:
كلما طال الوقت في الشمس، زادت خسارة الأوراق وتعرّض العلف لبهتان اللون وفقد بعض الفيتامينات. - ظروف التخزين والتغذية:
الرطوبة العالية أو التعرّض لمطر متكرر تسبب العفن والفساد، وبالتالي هدر في الكمية والجودة.
لهذا السبب من الأفضل أن يُجري المربّي تحليلًا مخبريًا للدريس أو السيلاج في المزارع المتوسطة والكبيرة؛ حتى يضبط كميات الحبوب والمكملات بدقة.
ثانيًا: تغذية النعاج (الأمهات)
1. من الفطام إلى موسم التلقيح
هذه الفترة حساسة إذا كان الهدف هو رفع نسبة التوائم. المطلوب هو:
- أن تظل النعاج في حالة جسم جيدة
- وأن تحقق زيادة وزن يومية بسيطة دون أن تصبح بدينة.
غالبًا يُستهدف أن تصل النعاج عند بداية التلقيح إلى:
- نحو 60–70% من وزنها النهائي المتوقع
- مع درجة حالة جسم 2.5–3 من 5
إذا كان المرعى ضعيفًا، يمكن حجز النعاج في حظيرة لفترة قصيرة قبل التلقيح، وتقديم:
- دريس أو سيلاج عالي الجودة
- كمية صغيرة من الحبوب (شعير، ذرة…) عند الحاجة فيما يشبه “التفويج الغذائي” (Flushing) لتحسين الخصوبة.
2. خلال الحمل – خاصة آخر 6–8 أسابيع
في الثلث الأخير من الحمل ينمو الجنين بوتيرة سريعة، وتزداد احتياجات النعجة من:
- الطاقة
- البروتين
- المعادن والفيتامينات
لذلك من المهم أن:
- يرفع المربّي مستوى التغذية تدريجيًا قبل الولادة بـ 6–8 أسابيع.
- يستمر هذا الرفع بدون انقطاع حتى بعد الولادة بعدة أيام.
- تُراعى حالة جسم النعجة وجودة العلف الخشن عند تحديد كمية الحبوب.
في كثير من الحالات تكفي إضافة تقريبًا:
- من 250 إلى 350 غرام من الحبوب (شعير أو ذرة أو خليط مركزات) يوميًا للنعجة متوسطة الحالة، مع دريس جيد.
يمكن أيضًا تقسيم النعاج إلى مجموعات حسب:
- العمر
- درجة حالة الجسم
- عدد الأجنّة (واحد / توأم فأكثر)
وذلك حتى تحصل النعاج الأضعف أو الحوامل بتوائم على عليقة أفضل.
3. تغذية النعاج المرضعات
إذا توفر مرعى أخضر عالي الجودة، فهو غالبًا يغطي احتياجات:
- الطاقة
- البروتين
- الفيتامينات والمعادن
وفي هذه الحالة قد لا تحتاج النعجة إلى حبوب إضافية، خصوصًا إذا كانت ترضع حملاً واحدًا.
أمّا في نظم التربية داخل الحظائر أو عندما يقلّ المرعى، فمن الأفضل:
- تقديم دريس أو سيلاج جيد يشابه عليقة النعاج الحوامل
- إضافة من 450 إلى 700 غرام تقريبًا من الحبوب يوميًا للنعجة، حسب عدد الحملان والحالة الإنتاجية.
من الضروري أن تحصل النعاج المرضعات على:
- ملح معدني متوازن حرّ الاختيار
- مصدر جيد للكالسيوم والفوسفور (مثل ثنائي فوسفات الكالسيوم أو خليط معدني جاهز)
النعاج التي ترضع توأم أو ثلاثة تدر حليبًا أكثر بنسبة قد تصل إلى 20–40% مقارنة بالنعاج ذات المولود الواحد؛ لذلك تحتاج إلى:
- مزيد من المركزات
- أو علف خشن أفضل جودة
- أو كليهما معًا.
ثالثًا: تغذية الحملان
1. بداية العليقة التكميلية (Creep Feeding)
ابتداءً من عمر أسبوعين تقريبًا، يُفضَّل أن يحصل الحملان على عليقة تكميلية (Creep Feed) في مكان مخصص لا تستطيع الأمهات دخولَه. هذه العليقة تساعد على:
- تسريع نمو الحملان
- تعويدها على العلف الصلب
- تنشيط كرشها مبكرًا
في حال كان المرعى ضعيفًا، يُنصح بالاستمرار في تقديم العليقة التكميلية لمدة 1–2 شهر حتى تتحسن المراعي أو يتوفر علف خشن كافٍ.
2. الفطام والتسمين في الحظائر (Dry Lot)
إذا لم تتوفر مراعي جيدة حتى عمر 3–4 أشهر، يمكن للمربّي أن:
- يفطم الحملان مبكرًا (عند 2–3 أشهر في النظم المكثفة)
- ثم يكمّل تسمينها في الحظيرة حتى بلوغ وزن التسويق.
في هذه الحالة يُستخدم:
- خليط من الدريس المطحون + الحبوب + مكمل فيتاميني–معدني
- قد يُقدّم كخليط ناعم أو في شكل حبيبات (Pellets) بطول 0.5–1 سم تقريبًا.
يُفضَّل أن تكون الحبوب:
- مجروشة أو مطحونة خشِنًا في البداية
- ثم يمكن الانتقال تدريجيًا إلى الحبوب الكاملة مع تقدم العمر.
من المهم كذلك أن:
- يزيد المربّي كميات الحبوب بالتدريج
- يراقب استهلاك الحملان وبرازها لتجنّب التخمة أو الحموضة الكرشية.
في الأنظمة المكثفة، تستطيع الحملان الوصول إلى وزن التسويق خلال 3.5–4 أشهر تقريبًا عند إدارة التغذية جيدًا.
رابعًا: تغذية الحملان اليتيمة أو الزائدة (Milk Replacer)
أحيانًا يواجه المربّي:
- حملان يتيمة
- أو حملان إضافية في الولادات المتعددة
- أو حملان من نعاج ضعيفة الإدرار
هذه الحملان يمكن تربيتها بنجاح باستخدام بدائل الحليب مع بعض الشروط.
1. أهمية اللبأ (Colostrum)
في الساعات الأولى بعد الولادة يجب أن يحصل الحمل على:
- من 10 إلى 20% من وزن جسمه لبأً خلال أول 24 ساعة تقريبًا.
إذا لم يتوفر لبأ من النعاج في القطيع، يمكن استخدام:
- لبأ مجمّد من أبقار سليمة
- أو مستحضر تجاري خاص ببدائل اللبأ
2. خصائص بدائل الحليب الجيدة
يفضَّل استخدام بدائل حليب مخصصة للحملان تحتوي تقريبًا على:
- 25% بروتين
- 30% دهن
- مستوى مناسب من المضادات الحيوية أو مضادات الإسهال حسب التعليمات
يمكن في بعض الحالات استخدام بدائل حليب العجول، لكن يجب الانتباه إلى أن:
- حليب الأبقار أغنى باللاكتوز
- الاستهلاك الزائد قد يسبب إسهالًا في الحملان
3. برنامج الرضاعة والفطام
- خلط البديل بالماء الدافئ جيدًا حتى يتكوّن محلول متجانس.
- تقديم 10–20% من وزن الجسم حليبًا يوميًا مقسّمة على:
- 4–6 رضعات في الأسبوع الأول
- ثم تخفيض عدد الرضعات تدريجيًا إلى مرتين يوميًا عند عمر 3–4 أسابيع.
- يمكن استخدام أنظمة الرضاعة الجماعية (دلْو متعدد الحلمات) خاصة في القطيع الكبير.
ابتداءً من عمر 9–10 أيام:
- يُفضَّل تقديم ماء نظيف وعليقة تكميلية أمام الحملان.
يمكن فطام الحملان عند 4–5 أسابيع إذا:
- كان استهلاك العليقة التكميلية جيدًا
- ووزن الحمل مقبولًا بالنسبة لعمره.
خامسًا: تسمين الحملان (Feeder Lambs)
عند إدخال حملان التسمين إلى الحظيرة، من الأفضل أن:
- تحصل على فترة راحة لعدة أيام بعد النقل.
- تتلقى التحصينات ومضادات الطفيليات اللازمة.
- تُغذّى في البداية على دريس متوسط الجودة مع قليل من الحبوب.
بعد استقرار الحملان يمكن للمربّي أن يختار بين:
- التغذية الحرة (Self-feeding):
توضع العليقة المتوازنة أمام الحملان طوال الوقت، غالبًا في صورة حبيبات أو خليط مطحون. هذه الطريقة تقلل العمالة وتزيد سرعة النمو، لكنها تحتاج إلى ضبط التركيبة لتجنّب الحموضة. - التغذية اليدوية على وجبات:
تُقدّم العليقة على وجبات منتظمة بحيث تستهلك الحملان كامل الكمية قبل تقديم وجبة جديدة، ما يسمح بمراقبة الاستهلاك والتحكم بالزيادة.
يمكن البدء بعليقة تحتوي على:
- 60–70% دريس أو علف خشن في الأيام الأولى،
- ثم تخفيض النسبة إلى 30–40% خلال أسبوعين تقريبًا، مع زيادة نسبة الحبوب تدريجيًا.
ملاحظات مهمة:
- القمح حبوب «قوية»؛ الحملان غير المعتادة عليه قد تصاب بحموضة حادة، لذلك من الأفضل اعتيادها عليه ببطء أو الاعتماد على الذرة والشعير أو خليط متوازن.
- المكملات المعدنية والملح يجب أن تُقدّم سواء أُضيفت إلى العليقة أو وُضعت في معالف منفصلة.
- عند استخدام السيلاج (ذرة، سورجم، برسيم)، الأفضل أن يُقدَّم بكميات محدودة لمنع الفساد.
سادسًا: تغذية الكباش (Mature Breeding Rams)
الكباش عنصر أساسي في القطيع، لكن احتياجاتها الغذائية غالبًا تُهمَل. في غير موسم التلقيح يكفي عادة:
- مرعى جيد
- أو عليقة تشبه علائق النعاج الحوامل (دريس مع كمية محدودة من الحبوب).
قبل موسم التلقيح يجب أن يعمل المربّي على أن يكون الكبش في حالة جسم:
- 3–3.5 من 5 تقريبًا.
خلال الموسم قد يفقد الكبش:
- من 1 إلى 1.5 درجة من حالة الجسم بسبب المجهود العالي، لذلك يحتاج بعد انتهاء الموسم إلى فترة استرجاع مع تغذية أفضل قليلًا حتى يعود إلى حالته الطبيعية.
عندما تكون النعاج على مرعى جيد ويجري تطبيق برنامج “تفويج غذائي” لرفع خصوبتها، غالبًا لا تحتاج الكباش إلى كمية كبيرة من الحبوب أثناء وجودها مع النعاج.
سابعًا: تغذية الأغنام في المراعي الواسعة (Range Sheep)
في العديد من الدول العربية تُربّى الأغنام في مراعي طبيعية واسعة وجافة. في هذه الحالة تعتمد الكمية والنوع المطلوب من المكملات على:
- حالة جسم القطيع
- كمية ونوعية الغطاء النباتي
- الظروف المناخية (برد شديد، جفاف، ثلوج…).
غالبًا ما تعاني المراعي المتأخرة أو اليابسة من نقص في:
- البروتين
- الطاقة المتاحة
- الملح
- الفوسفور
1. المكملات البروتينية والطاقة
يمكن للمربّي أن يستخدم:
- مكعبات أو حبيبات عالية البروتين (مثل 24–36%)
- أو كسب بذور القطن، كسب الصويا، أو البرسيم المجفف
- بالإضافة إلى الحبوب عند الحاجة.
في كثير من البرامج العملية يُنصح مثلًا بـ:
- تقديم حوالي 100–150 غرام/اليوم من مكعبات عالية البروتين للرأس الواحد
- أو 150–250 غرامًا من مكعبات متوسطة البروتين
- خاصة قبل موسم التلقيح، وأثناء البرد القارس، ولشهر تقريبًا قبل تحسّن المراعي الربيعية.
من المفيد أيضًا فصل:
- الحملان الصغيرة
- النعاج الكبيرة ذات الأسنان الضعيفة
- والنعاج الهزيلة
وجمعها في مجموعة خاصة لتلقي مكملات أفضل من باقي القطيع.
2. التغذية الطارئة في العواصف والثلوج
عندما تعجز الأغنام عن الوصول إلى العشب بسبب الثلج أو الظروف القاسية، يصبح من الضروري تقديم:
- من 0.5 إلى 1.5 كغ من دريس البرسيم أو علف خشن جيد للرأس في اليوم
- مع نحو 100–200 غرام من مكعبات حبوب أو خليط منخفض البروتين حسب الحالة.
إذا لم يتوفر الدريس، يمكن زيادة كمية المكعبات أو “الكيك الرعوي” كحل طارئ، ولكن لمدة محدودة فقط.
3. الفيتامينات والأملاح المعدنية في المراعي
- أغلب المراعي التي تحتوي على شجيرات خضراء لفترات من السنة توفّر كمية جيدة من البيتا كاروتين (مقدمة فيتامين A).
- لكن إذا اضطرت الأغنام لرعي أعشاب جافة أكثر من 6 أشهر متواصلة، فمن الأفضل إضافة فيتامين A في العليقة أو في مكمل معدني.
على مستوى الأملاح:
- يمكن استخدام صناديق ملحية متنقلة تحتوي على:
- ملح
- مصدر للفوسفور (مثل ثنائي فوسفات الكالسيوم أو صخور الفوسفات المنزوعة الفلور)
- إذا كان هناك نقص في اليود تُستبدل بالملح العادي أملاح يودية.
- وإذا ثبت نقص عناصر نادرة (زنك، نحاس…)، يمكن استخدام ملح مدعّم بالعناصر الصغرى.
تحذير مهم
إضافة كميات كبيرة من الفوسفور والمغنيسيوم إلى علائق الكباش أو الخصيان قد تزيد فرص حدوث:
- البول الحجري (Urolithiasis)
ولذلك يجب الالتزام بالنسب الموصى بها، وعدم المبالغة في تركيز هذه العناصر دون استشارة مختص.
خلاصة
تغذية الأغنام الناجحة تقوم على ثلاث قواعد رئيسية:
- جودة العلف الخشن أولًا؛ فالدريس الجيد والسيلاج المتوازن هما الأساس، ثم تأتي الحبوب والمكملات كأدوات ضبط وتحسين.
- تعديل العليقة حسب المرحلة الإنتاجية:
- نعاج في فترة التلقيح،
- حمل متقدم،
- رضاعة،
- حملان في بداية النمو أو في التسمين،
- كباش في موسم التلقيح،
- قطعان مراعي في ظروف صعبة.
- المتابعة المستمرة لحالة الجسم والإنتاج، مع استخدام الأملاح المعدنية والفيتامينات بشكل مدروس، والابتعاد عن التغييرات المفاجئة في نوع أو كمية العليقة.