ضرع البقرة هو “مصنع الحليب”، وأي مشكلة فيه تعني خسارة حليب، زيادة خطر التهاب الضرع، وتكاليف علاج إضافية. كثير من هذه المشكلات لا تكون التهابًا جرثوميًا في البداية، بل اضطرابات ناتجة عن إصابة (Trauma) أو عيوب تركيبية في الضرع والحلمات.

في هذا المقال سنستعرض أهم هذه الاضطرابات عند الأبقار الحلوب، مع شرح مبسّط لـ:
الأسباب → العلامات → ما يمكن أن يفعله المربّي → دور الطبيب البيطري.

أولاً: الجروح والإصابات في الضرع والحلمات

1. أسباب شائعة لإصابات الضرع

من الأسباب المتكررة:

  • جروح الأسلاك الشائكة أو حواف الحظائر الحادة.
  • دعس الحافر على الضرع أو الحلمات (خاصة في الأبقار ذات الضرع المتدلّي).
  • الخدوش والسحجات الناتجة عن:
    • أرضية خشنة أو مرصوفة بحصى/رمل خشن.
    • أعشاب خشنة وحادة (مثل بعض الحشائش الشتوية).
  • لدغات الحشرات (الذباب، البعوض، حشرات ماصّة أخرى)، والتي قد تلتهب مع اللعق والخدش.
  • مصّ الضرع من بقرة أخرى (suckling)؛ غالبًا تسبب خدوش طولية من أعلى لأسفل على الضرع.

ملاحظة: الخدوش الناتجة عن الأسنان تكون عادة من أعلى لأسفل، بينما التشققات الناتجة عن جفاف الجلد (chaps) غالبًا طولية على طيات الجلد الجانبية.

2. الجروح السطحية: ماذا يفعل المربّي؟

في الجروح الخفيفة والخدوش:

  • غسل المنطقة بمحلول مطهّر لطيف (مثل اليود المخفف أو كلورهيكسيدين).
  • تجفيف الجلد جيدًا بلطف.
  • دهن مرهم مطهّر/ملطّف عدة مرات في اليوم.

إذا كانت الإصابة في الحلمة:

  • يُستكمل الحلب إذا كان الثقب الخارجي سليمًا.
  • يمكن استخدام شريط لاصق طبي (Taping) لتقريب حواف الجرح في الحلمات السطحية، مع الحذر ألا يعيق خروج الحليب.
  • أي جرح قريب من فتحة الحلمة يعني أن خطورة التهاب الضرع عالية، وغالبًا يُنصح باستخدام أنبوب مضاد حيوي داخل الضرع (Intramammary) بعد استشارة الطبيب.

3. الجروح العميقة وتمزّق الأوردة الكبيرة

  • تمزّق الوريد الحلّابي (milk vein) حالة إسعافية؛ لأنه قد يسبّب نزيفًا شديدًا.
  • يجب الضغط المباشر القوي على مكان النزف، ثم ربط الوعاء الدموي (ligature) بواسطة الطبيب البيطري.

الجروح العميقة في الضرع أو الحلمة تحتاج إلى:

  • تنظيف جيّد في أول 6 ساعات قدر الإمكان.
  • تخدير موضعي وخياطة أو تدبيس الجرح بطريقة جراحية.
  • أحيانًا يُوضع كانولا في الحلمة (Teat cannula) لـ 24 ساعة:
    • لتسهيل خروج الحليب من داخل الحلمة.
    • ولمنع تسرب الحليب عبر الجرح وتأخير الالتئام.

دائمًا في هذه الحالات:

  • يُعطى علاج مضاد حيوي داخل الضرع + مضاد حيوي عام عند الحاجة.
  • مراقبة ربع الضرع المصاب يوميًا لأي علامات التهاب (حرارة، ألم، تغير لون الحليب).

4. الكدمات والتجمعات الدموية (Hematoma)

نتيجة ضربة قوية أو اصطدام:

  • يظهر تورم طريّ قريب من الضرع (أمام الضرع الأمامي أو خلف الضرع الخلفي).
  • أحيانًا يصعب التفريق بينه وبين الخراج.

التعامل:

  • في البداية علاج تحفظي:
    • راحة، رباط ضاغط عند الإمكان، مراقبة التورّم.
  • لا يُفتح الورم الدموي ولا يُفرّغ إلا إذا تقيّح أو ظهرت علامات التهاب/خراج.
  • إذا كان الورم الدموي كبيرًا ويكبر بسرعة → حالة إسعافية؛ لأنه قد يؤدي إلى فقدان دم وصدمة.

ثانياً: انسدادات الحلمات (Teat Obstructions)

1. تضيق قناة الحلمة (Teat stenosis)

هو ضيق شديد في فتحة الحلمة أو قناة الحليب، وأسبابه:

  • ضربة/جرح في الحلمة سبب تورم شديد أو تجلط دم أو قشرة داخل القناة.
  • التهاب ضرع سابق، خصوصًا في العجلات قبل أول ولادة.

النتيجة:
الحليب لا يخرج بسهولة، الربع يبقى ممتلئًا، ويزداد خطر التهاب الضرع.

2. “حبوب الحلمة” أو الأجسام داخل القناة (Teat peas)

هذه كتل صغيرة داخل الحلمة أو خزان الحليب، وقد تكون:

  • نسيج حبيبي متكاثر بعد إصابة سابقة.
  • كتل من دهن الحليب + أملاح + بقايا أنسجة تشكّلت خلال فترة الجفاف.

العلامات:

  • انقطاع الحليب فجأة أثناء الحلب، ثم عودته، أو خروج الحليب متقطع.
  • ربع قد يبدو ممتلئًا جزئيًا بعد الحلب.

بالفحص:

  • يمكن الإحساس بكتلة صغيرة ثابتة أو متحركة داخل الحلمة أو cistern عند تحسسها بين الأصابع.

3. تشخيص انسدادات الحلمة

  • يبدأ دائمًا بـ جسّ الحلمة والضرع.
  • في الحالات المعقدة أو الأبقار ذات القيمة العالية يمكن استخدام:
    • السونار (Ultrasound).
    • تصوير ظليل (Contrast radiography).
    • theloscopy (منظار داخل الحلمة).

4. العلاج والخيارات المتاحة

  • بعض الكتل الدهنية الصغيرة يمكن دفعها بالضغط اللطيف إلى خارج الفتحة أثناء الحلب.
  • توجد أدوات جراحية خاصة تُستخدم عن طريق قناة الحلمة لإزالة بعض الأجسام (لا تُستخدم إلا بيد مختص؛ لأن خطر التهاب الضرع عالٍ).
  • في الانسدادات الكاملة أو المعقدة:
    • يمكن اللجوء لعمل جراحة متقدمة بالمنظار أو جراحة مفتوحة عند أخصائي.
    • أحيانًا يكون القرار إيقاف استخدام الربع نهائيًا إذا كان الضرع متضررًا جدًا.

تحذير:
استخدام كانولا الحلمة لفترة طويلة يزيد كثيرًا من خطر التهاب الضرع، لذا تُستخدم فقط مؤقتًا وتحت إشراف بيطري.

ثالثاً: تهدّم أربطة الضرع (Breakdown of Udder Support)

الضرع معلّق في جسم البقرة بواسطة أربطة قوية (خاصة الرباط الوسطي). مع العمر والإنتاج العالي والامتلاء المتكرر:

  • قد تضعف هذه الأربطة تدريجيًا.
  • أو يحدث تمزق حاد حول الولادة.

ملامح الحالة

  • نزول الضرع إلى أسفل بشكل واضح.
  • تباعد الحلمات وانحرافها إلى الجانبين.
  • صعوبة تركيب كؤوس آلة الحلب.
  • زيادة احتكاك الضرع بالأرض أو الأرجل → جروح والتهابات.
  • زيادة احتمال التهاب الضرع بسبب سوء التفريغ وصعوبة التنظيف.

التعامل

للأسف:

  • لا يوجد علاج فعّال يعيد الأربطة لوضعها الطبيعي.
  • الأحزمة الداعمة (Trusses) غالبًا غير عملية في قطيع حلاب كبير.

لذلك:

  • تعتبر مشكلة إدارية وجينية؛
    • يُفضّل استبعاد هذه الأبقار من التربية (عدم استخدام بناتها كأمهات قطيع)،
    • والتركيز في الانتخاب على ضرع مشدود جيد التثبيت.

رابعاً: نزول الدم في الحليب (Hemolactia)

1. متى يكون الأمر بسيطًا؟

بعد الولادة بقليل، يمكن أن يظهر:

  • حليب مائل إلى الوردي أو أحمر فاتح.
  • غالبًا بسبب تمزق شعيرات دموية صغيرة داخل الضرع نتيجة:
    • امتلاء شديد + وذمة.
    • حلب عنيف أو ضربة خفيفة.

في هذه الحالة:

  • غالبًا يختفي خلال 10–14 يومًا مع الحلب المنتظم دون ضغط عنيف.
  • لا يُعتبر حليبًا صالحًا للاستهلاك البشري، ويجب عزله عن حليب الخزان الرئيسي.

2. متى نقلق أكثر؟

  • لون أحمر فاتح جدًا من ربع واحد فقط → قد يدل على نزيف من وعاء دموي أكبر أو إصابة قوية في الحلمة/الضرع.
  • لون بني غامق أو “شوكولاتة” → قد يشير إلى:
    • نزيف من وريد كبير.
    • أو التهاب ضرع شديد ونزفي.

في هذه الحالات:

  • يجب إيقاف الحلب من هذا الربع مؤقتًا حتى السيطرة على النزيف.
  • فحص الضرع والحلمة بحثًا عن جروح واضحة.
  • تقييم وجود التهاب ضرع (حرارة موضعية، ألم، تغيّر قوام الحليب).
  • استشارة طبيب بيطري لتحديد سبب النزيف ووصف العلاج:
    • علاج موضعي أو جراحي للإصابة إن وجدت.
    • مضادات حيوية إذا كانت هناك دلائل على التهاب ضرع.

تذكير: أي حليب يحتوي دمًا لا يصلح للاستهلاك أو البيع، ويؤدي إلى رفض الشحنة في مصنع الألبان.

خامساً: ضعف مصرة الحلمة وتسريب الحليب (Teat Sphincter Inadequacy)

1. ما هي المشكلة؟

في الأبقار عالية الإدرار، خصوصًا في بداية موسم الحليب، يمكن أن تلاحظ:

  • تساقط قطرات من الحليب من الحلمات بين الحلبات.
  • أو حتى تسريب مستمر في بعض الحالات الشديدة.

هذا يحدث عندما:

  • يكون الضرع ممتلئًا جدًا.
  • تكون عضلة مصرة الحلمة ضعيفة أو رخوة نسبيًا.

2. عوامل تزيد من تسريب الحليب

  • عجلات حديثة الولادة عالية الإنتاج، مع:
    • ضرع صغير نسبيًا (cistern صغيرة).
    • سرعة نزول الحليب عالية جدًا عند استجابة للأوكسيتوسين.
  • حلمات قصيرة جدًا.
  • تاريخ إصابة سابقة أو جرح في فتحة الحلمة سبّب ضعفًا في الإغلاق.

3. لماذا التسريب مشكلة؟

  • فتح قناة الحليب لفترات طويلة يعني:
    • سهولة دخول الجراثيم إلى الضرع.
    • ارتفاع خطر التهاب الضرع، خاصة أثناء النوم على الفرشة الملوثة.

4. ما الذي يمكن فعله؟

  • تقليل امتلاء الضرع عبر:
    • تقريب فترات الحلب (3 مرات يوميًا بدلًا من مرتين، إن كان نظام المزرعة يسمح بذلك).
  • تحسين النظافة العامة للحظيرة والفرشة.
  • متابعة الربع المسرب بدقة لأي علامات مبكرة لالتهاب الضرع.

في الحالات المزمنة:

  • بعض الأبقار تظل تسرّب الحليب بشكل مستمر، خاصة بعد إصابة شديدة في الحلمة.
  • هذه الأبقار غالبًا تعاني من التهاب ضرع متكرر، وتتحول إلى “مصدر خسارة” داخل القطيع.
  • يُنصح بالتشاور مع الطبيب والمستشارين لتقييم جدوى الإبقاء عليها أو استبعادها من القطيع.

خلاصة عملية للمربّي

  1. الوقاية تبدأ من الحظيرة
    • إزالة المصادر الحادة (أسلاك، حواف معدنية).
    • توفير فرشة نظيفة ولينة قدر الإمكان.
    • ضبط إعدادات آلة الحلب (Vacuum، Pulsation، فترة الحلب) لتجنب إصابات الحلمة.
  2. أي جرح أو إصابة في الحلمة أو الضرع = خطر التهاب ضرع
    • تنظيف فوري + مطهر + مرهم.
    • استشارة طبيب بيطري عند وجود:
      • جرح عميق.
      • نزيف شديد.
      • تورم كبير أو ألم قوي.
  3. انسدادات الحلمة
    • لا تُفتح الحلمة عشوائيًا ولا تُستخدم أدوات من السوق دون إشراف؛
    • التدخل الخاطئ قد يحوّل مشكلة بسيطة إلى ربع تالف دائمًا.
  4. تهدّم أربطة الضرع
    • لا علاج حقيقي، لذلك التركيز على الانتخاب الجيد، وتجنّب تربية بنات الأبقار ذات الضرع المتدلّي جدًا.
  5. نزيف الحليب وتسريب اللبن
    • حليب غير صالح للاستهلاك عند وجود دم.
    • تسريب الحليب علامة على احتمال مشكلات مستقبلية، ويحتاج إلى إدارة دقيقة للحلب والنظافة.