مقدمة
ليست كل مشاكل الضرع عند الأبقار ناتجة عن التهاب جرثومي أو عدوى مباشرة؛ هناك مجموعة من الاضطرابات تُسمّى اضطرابات فسيولوجية أو وظيفية، تتعلق بالدورة الحياتية للبقرة، والتغذية، والإدارة، وشكل الضرع والحلمات.
هذه الاضطرابات لا تُهمل؛ لأنّها:
- قد تقلل إنتاج الحليب
- تزيد من صعوبة الحلب
- ترفع خطر الإصابة بالتهاب الضرع مستقبلاً
في هذا المقال سنمرّ على أهم هذه الاضطرابات، مع الأسباب، الأعراض، التشخيص، الوقاية، والعلاج قدر الإمكان.
1) وذمة الضرع في الأبقار (Udder Edema)
ما هي؟
وذمة الضرع هي تجمع سوائل في أنسجة الضرع، تظهر غالبًا في:
- الأبقار عالية الإنتاج
- خصوصًا العجلات (أول ولادة)
- في الأيام القليلة قبل الولادة وبعدها مباشرة
يكون الضرع متضخمًا، الجلد مشدودًا، وإذا ضغطت بالأصابع تبقى حفرة (Pitting).
الأسباب وعوامل الخطورة
- العمر عند أول ولادة: كلما تأخرت العجلة في أول ولادة زاد احتمال الوذمة.
- طول فترة الحمل وبعض العوامل الوراثية.
- التغذية قبل الولادة:
- علائق غنية بالأملاح (الملح وبيكربونات الصوديوم…)
- سمنة زائدة وقلة حركة
- نقص بعض العناصر المعدنية مثل المغنيسيوم قد يرتبط بحالات مزمنة.
تُعتبر وذمة الضرع في كثير من الأحيان مشكلة إدارة قطيع وليست حالة فردية فقط.
الأعراض والعلامات
- تضخم واضح في الضرع، غالبًا متناظر في الجانبين.
- الجلد مشدود وبارد نسبيًا، وعند الضغط بالأصابع تظهر حفرة تبقى لثوانٍ.
- في الحالات الحادة جدًا:
- صعوبة في تثبيت وحدة الحلب
- تدفق الحليب يصبح أضعف
- قد يتأثر ربط الضرع (أربطة التعليق) إذا كان الثقل شديدًا
الوذمة الفسيولوجية الحادة غالبًا غير مؤلمة بشدة وتتحسن خلال حوالي أسبوع بعد الولادة.
المضاعفات المحتملة
- صعوبة الحلب → بقاء حليب في الضرع → ارتفاع خطر التهاب الضرع.
- تمدد مفرط في أربطة الضرع، ما يؤدي إلى شكل ضرع متدلٍّ وغير عملي في المواسم التالية.
- في الحالات المزمنة: وذمة مستمرة في أسفل الضرع طوال موسم الإدرار.
التشخيص
- عادةً يعتمد على:
- التاريخ (بقرة عشار، قرب الولادة أو بعدها مباشرة)
- الفحص السريري (انتفاخ، Pitting، عدم وجود حرارة شديدة أو ألم مثل الالتهاب)
- يُفرّق بينها وبين:
- التهاب الضرع الحاد
- التهابات جلدية أخرى
العلاج
يبدأ العلاج عندما:
- يصبح الانتفاخ شديدًا ويهدد أربطة الضرع
- أو يعوق الحلب بشكل واضح
إجراءات مساعدة:
- التدليك والكمادات الدافئة
- تدليك الضرع من أسفل إلى أعلى بلطف عدة مرات في اليوم.
- استخدام مناشف دافئة لتحفيز الدورة الدموية.
- تحسين الحلب
- في العجلات الشديدة الوذمة يمكن الحلب قبل الولادة في بعض الحالات لتخفيف الامتلاء، ولكن:
- هذا القرار يُترك للطبيب البيطري أو الخبير؛ لأن الحلب المبكر في الأبقار الكبيرة يمكن أن يزيد خطر شلل ما بعد الولادة في بعض الحالات.
- في العجلات الشديدة الوذمة يمكن الحلب قبل الولادة في بعض الحالات لتخفيف الامتلاء، ولكن:
- الأدوية (فقط تحت إشراف بيطري)
- مدرات البول: تساعد على طرد السوائل الزائدة.
- الكورتيكوستيرويدات في بعض الحالات لتقليل الالتهاب والاحتباس.
- توجد مستحضرات تجمع بين المدرّ والستيرويد تُستخدم خصيصًا لوذمة الضرع.
الوقاية
- تقليل الملح في علائق الأبقار العشار قبل الولادة، خصوصًا في الأسابيع الأخيرة.
- تجنب السمنة وقلة الحركة؛ السماح للأبقار والعجلات بالحركة اليومية.
- متابعة القطيع: إذا ظهرت وذمة شديدة في عدد كبير من الحيوانات، فهذا دليل على مشكلة في إدارة التغذية قبل الولادة.
2) النمو المبكر للغدة اللبنية (Precocious Mammary Development)
ما هو؟
هو نمو وامتلاء ضرع العجلات قبل موعد الولادة بفترة واضحة، وقد يصل لدرجة نزول حليب أو سائل شبيه باللبن.
الأسباب الرئيسية
- سلوك مص الحليب بين العجلات:
- عندما تقوم عجلة بمص ضرع أخرى لفترة طويلة، قد تنشط الغدة وتبدأ في إفراز الحليب في ربع واحد أو أكثر.
- تأثيرات هرمونية أو غذائية:
- تناول أعلاف أو مخلفات غنية بـ الاستروجينات النباتية (بعض البقوليات أو بذور معينة).
- أعلاف ملوثة بسموم فطرية ذات تأثير هرموني (Mycotoxins).
- نادرًا: أورام مبيضية تفرز هرمونات.
الأعراض
- امتلاء واضح في الضرع في عجلة لم تقترب بعد من الولادة.
- قد يكون:
- في ربع واحد (نتيجة المص من زميلة)
- أو في الضرع كله (تأثير هرموني/غذائي).
التشخيص
- التاريخ: عمر العجلة، هل هي عشار؟ هل هناك عجلات تمص ضرع بعضها؟
- فحص الضرع، وأحيانًا يحتاج الطبيب لفحص المبايض بالسونار إذا اشتبه في مشكلة هرمونية.
الوقاية والعلاج
- منع سلوك المص بين العجلات:
- فصل العجلات التي تمص ضرع غيرها، أو استخدام حلقات أنفية تمنع المص.
- مراجعة العليقة:
- إيقاف أي علف مشكوك في احتوائه على استروجينات نباتية عالية أو ملوّث بالسموم الفطرية.
- بعد إزالة العلف المسبّب غالبًا يعود الضرع للوضع الطبيعي تدريجيًا.
- في الحالات المرتبطة بأورام مبيضية أو اضطرابات هرمونية، يُحدِّد الطبيب خطة التعامل (طبّي أو جراحي).
3) فشل نزول الحليب (Milk Letdown Failure)
الفكرة ببساطة
الحليب موجود داخل الضرع، لكن لا يخرج بالكامل أثناء الحلب بسبب عدم انطلاق هرمون الأوكسيتوسين بالشكل الطبيعي.
الأسباب الأكثر شيوعًا
- الخوف والتوتر عند العجلات حديثة الولادة:
- مكان الحلب جديد، أصوات غريبة، معاملة قاسية.
- تغيير نظام الحلب بشكل مفاجئ.
- عدم وجود تحفيز كافٍ للحلمات (تجفيف، مساج، تنظيف) قبل تركيب وحدة الحلب.
الأعراض
- ضرع ممتلئ، لكن:
- كمية الحليب الخارجة أقل من المتوقع بكثير.
- الحيوان متوتر، يضرب برجليه أو يرفض دخول قاعة الحلب.
التشخيص
- يعتمد على الملاحظة:
- لا يوجد التهاب أو ألم واضح في الضرع، لكن الكمية قليلة والحيوان منزعج أثناء الحلب.
الوقاية والعلاج
- التعويد المسبق للعجلات
- إدخال العجلات إلى قاعة الحلب قبل الولادة لبضعة أيام، دون حلب، فقط تعويد على المكان والأصوات.
- روتين حلب هادئ وواضح
- نفس الأشخاص، نفس الترتيب، نفس الخطوات قدر الإمكان.
- تحفيز الحلمات لمدة لا تقل عن 20 ثانية قبل تركيب وحدة الحلب (تنظيف، تجفيف، مساج خفيف).
- التعامل الهادئ
- تجنّب الصراخ والضرب، لأن ذلك يوقف إفراز الأوكسيتوسين ويرفع هرمونات التوتر.
- استخدام الأوكسيتوسين (فقط بقرار بيطري)
- في بعض الحالات الصعبة يمكن للطبيب إعطاء أوكسيتوسين بالحقن لتحفيز نزول الحليب.
- المهم: تقليل الاعتماد عليه تدريجيًا حتى لا تصبح البقرة “معتمدة” على العلاج الخارجي وتفقد ردّ الفعل الطبيعي.
4) انقطاع الحليب (Agalactia)
ما هو؟
انقطاع الحليب يعني فشل إنتاج الحليب أو انخفاضه إلى درجة لا تذكر، رغم الولادة.
الأسباب المحتملة
- مشكلات هرمونية/غدية تؤثر في الغدة اللبنية.
- أمراض عامة شديدة مثل:
- إصابات جرثومية خطيرة (مثل بعض حالات Mycoplasma bovis).
- التهابات شديدة في الضرع مثل Trueperella pyogenes.
- تسممات علفية معينة، مثل:
- رعي أو تناول عشب طويل ملوث بالفطر (Tall fescue المحتوي على Endophyte) في بعض المناطق، ما يؤثر في الأوعية والهرمونات.
التشخيص
- يحتاج دائمًا إلى طبيب بيطري:
- فحص عام للبقرة
- تقييم الضرع والقنوات
- مراجعة العليقة ومصدر العلف
الوقاية والعلاج
- علاج المرض الأساسي (التهابات، تسممات، أمراض عامة).
- تعديل العليقة إذا كان السبب مرتبطًا بنباتات أو فطريات معيّنة.
- بعض الحالات تكون دائمة ولا يمكن استعادة الإنتاج، فيُعاد تقييم دور البقرة في القطيع.
5) الأرباع العمياء (Nonfunctional / Blind Quarters)
ما هي؟
ربع من أرباع الضرع لا يعطي حليبًا، أو يعطي كمية ضئيلة جدًا لا تصلح للاستغلال، وغالبًا يكون ذلك:
- نتيجة التهاب ضرع شديد قديم دمّر النسيج المنتج للحليب.
- نادرًا: عيب خِلقي يولد به الحيوان.
الأعراض
- ربع صغير الحجم أو صلب عند الجس.
- لا يخرج حليب عند الحلب أو تخرج قطرات قليلة متغيّرة.
التشخيص
- اعتمادًا على:
- التاريخ (التهاب ضرع شديد سابقًا)
- الفحص السريري
- أحيانًا يتم التأكد بالموجات فوق الصوتية (سونار) للضرع.
التعامل والوقاية
- لا توجد طريقة سهلة لإعادة هذا الربع لوظيفته إذا كان التلف دائمًا.
- المهم:
- التركيز على حماية الأرباع السليمة من التهاب الضرع.
- عدم الضغط أو محاولة الحلب بقوة من الربع العاطل لتجنب الألم أو الإصابة.
6) العيوب الخِلقية للضرع – الحلمات الزائدة والنواسير
الحلمات الزائدة (Supernumerary Teats)
ما هي؟
حلمات إضافية تظهر:
- خلف الحلمات الخلفية
- بين الأمامية والخلفية
- أو ملتصقة بحلمة عاملة
قد تكون:
- مجرد جلد زائد بلا غدة
- أو فوق ربع صغير قد يصاب بالتهاب مستقبلاً
لماذا نزيلها في مزارع الألبان؟
- لتحسين شكل الضرع وترتيب الحلمات ليسهل الحلب الآلي.
- لتقليل احتمال التهاب في غدة صغيرة غير مستخدمة.
- لتفادي أن تعيق الحلمات الزائدة تركيب كؤوس الحلب.
متى وكيف تزال؟
- الأفضل إزالة الحلمات الزائدة في سن مبكر:
- من عمر أسبوع حتى سنة تقريبًا.
- كثيرًا ما تُجرى الجراحة في نفس وقت إزالة القرون.
- تتم الإزالة جراحيًا تحت تخدير موضعي بسيط بواسطة طبيب بيطري، ثم تُغلق الجرح بالغرز أو الدباسات.
النواسير (Fistulas)
- هي فتحات غير طبيعية تتصل بقناة الحليب أو حوض الضرع، يتسرب منها الحليب إلى الخارج.
- تُصلَّح جراحيًا عادة:
- في فترة الجفاف
- أو قبل أول ولادة في العجلات
حتى يلتئم الضرع جيدًا قبل بدء الإدرار.
خلاصة عملية للمربّي
- كثير من اضطرابات الضرع ليست التهابات، لكنها تزيد احتمالية التهاب الضرع وخسارة الحليب إذا أُهملت.
- راقب دائمًا:
- شكل الضرع
- حجم الوذمة
- سلوك البقرة أثناء الحلب
- كمية الحليب المتوقعة مقارنة بالمعتاد
- أي تغيير واضح أو مشكلة مستمرة (وذمة لا تختفي، حليب لا ينزل، ربع لا يعمل، نمو غير طبيعي…) يستحق زيارة طبيب بيطري بدل التجربة والخطأ.