يُعَدّ فقدان الحمل من المشكلات الشائعة في مزارع الإبل واللاما والألباكا، ويأتي غالبًا على شكل إمّا امتصاص جنيني مبكر أو إجهاض في المراحل المتقدمة من الحمل. ورغم أن خطوات التشخيص العامة تشبه ما يحدث في الأبقار والأغنام، إلّا أن للجمليات خصائص تشريحية وفسيولوجية مميّزة يجب فهمها قبل التعامل مع أي حالة.

خصوصية الحمل والمشيمة في الجمليات

  • في الغالبية الساحقة من الحالات يحدث الانغراس ونمو الجنين في القرن الرحمي الأيسر.
  • تمتلك الجمليات مشيمة ظهارية كوريونية (epitheliochorial)، منتشرة، ميكروكوتيلدونية تشبه ما يوجد في الفرس.
  • يلتصق الغشاء الكوريوني (allantochorion) مباشرةً بكيس الجنين (الأمنيون)، وهذا التركيب قد يفسّر بعض أنماط فشل المشيمة أو قصورها.

هذه الخصائص تعني أن أي التواء في الرحم أو مشكلة في تدفق الدم إلى القرن الأيسر تحديدًا يمكن أن تسبّب فقدانًا للحمل بشكل واضح.

أولاً: الأسباب غير المعدية للإجهاض في الإبل واللاما والألباكا

في كثير من القطعان، تكون الأسباب غير المعدية هي الأكثر شيوعًا، وخاصة عند غياب علامات مرضية عامة في القطيع.

1. تشوهات الجنين أو المشيمة

تشمل هذه الفئة عدة مشاكل، أهمها:

  • التوائم (Twinning):
    • حدوث التوائم ليس نادرًا في الجمليات.
    • في أغلب الحالات، يقلّص الجسم أحد الأجنّة تلقائيًا قبل اليوم 45 من الحمل، أو يحدث فقدان للحمل كاملًا.
    • إذا استمر الحمل بتوأم، غالبًا ما يحدث الإجهاض بين الشهر الخامس والتاسع.
  • التواء الحبل السري (Umbilical cord torsion):
    عندما يلتف الحبل السري على نفسه بشدة، ينقطع وصول الدم إلى الجنين، فيموت داخل الرحم أو يُجهَض في صورة جنين حديث النفوق.
  • التشوهات الخلقية الشديدة والعيوب الكروموسومية:
    هذه الحالات تؤدي غالبًا إلى:
    • امتصاص جنيني مبكر.
    • أو ولادة جنين مشوّه غير قابل للحياة.
  • قصور المشيمة (Placental insufficiency):
    • وجود مساحات واسعة خالية من الزغابات المشيمية (avillous areas) يُشير إلى نقص شديد في كفاءة تبادل الغذاء والأكسجين.
    • في هذه الحالة قد يحدث:
      • تأخر نمو الجنين.
      • أو نفوق داخل الرحم وإجهاض.
  • التواء الرحم (Uterine torsion):
    • يُعتبر من المشكلات الخاصة بالجمليات، ويظهر غالبًا في النصف الثاني من الحمل.
    • إذا لم يُكتشف مبكرًا، يمكن أن يمنع وصول الدم للجنين ويؤدي للإجهاض أو نفوق الأم نفسها.

2. قصور الجسم الأصفر (Hypoluteidism)

الجسم الأصفر مسؤول عن إفراز هرمون البروجستيرون الضروري لتثبيت الحمل. وعندما يقلّ إفراز هذا الهرمون:

  • يزداد خطر:
    • امتصاص الأجنة في المراحل المبكرة.
    • أو الإجهاض في الثلث الأول أو الثاني من الحمل.

ارتبطت حالات الإجهاض المتكرر في بعض الإناث بـ:

  • السمنة (Obesity): زيادة الدهون تؤثر على توازن الهرمونات التناسلية.
  • الاشتباه في قصور الغدة الدرقية (Hypothyroidism): الخلل الهرموني العام قد ينعكس مباشرة على وظيفة الجسم الأصفر واستقرار الحمل.

3. العوامل البيئية والضغوط (Stress)

إضافةً إلى ما سبق، تلعب الضغوط البيئية دورًا مهمًا، مثل:

  • الأمراض العامة الشديدة أو الحادة.
  • الرحلات الطويلة المجهِدة، خاصة مع سوء التهوية أو الازدحام.
  • الإجهاد الحراري (Heat stress):
    • ارتفاع درجة الحرارة مع الرطوبة العالية يقلّل تدفق الدم للرحم.
    • كما يرفع مستويات الكورتيزول في الدم، مما يهيئ لحدوث الإجهاض.

4. الأسباب العلاجية (Iatrogenic)

بعض الأدوية واللقاحات يمكن أن تسبّب الإجهاض إذا استُخدمت في الوقت الخاطئ، وعلى وجه الخصوص:

  • البروستاغلاندين F2α ومشتقاته:
    • يُستخدم في بعض برامج التناسل، لكنه يُحدِث تحلل الجسم الأصفر،
      لذلك يؤدي إلى إسقاط الحمل إذا أُعطي خلال فترة الاعتماد على البروجستيرون الرحمي.
  • الكورتيكوستيرويدات (Corticosteroids):
    • جرعات عالية أو في أوقات حساسة من الحمل قد تحفّز الولادة المبكرة أو الإجهاض.
  • بعض اللقاحات أو التركيبات متعددة المكوّنات (مثل لقاحات 8-way)
    إذا أُعطيت في أوقات غير مناسبة أو لجرعات مرهقة قد تساهم في فقدان الحمل.

5. سوء التغذية ونقص العناصر أو التسمم

على مستوى القطيع، يمكن أن يؤدي سوء التوازن الغذائي إلى فقدان حمل ملحوظ، خاصة عندما:

  • ينخفض مستوى:
    • السيلينيوم
    • فيتامين A
    • اليود
  • أو عند حدوث تسمم بالنحاس أو اليود.

كما أن:

  • الإناث المرضعات التي تُنتج حليبًا بكثافة.
  • والإناث الصغيرة (maiden females)
    يكون لديهما احتياج غذائي أعلى، وبالتالي ترتفع لديهما نسبة امتصاص الأجنة أو الإجهاض عند نقص العناصر.

ثانياً: الأسباب المعدية للإجهاض في الإبل واللاما والألباكا

عندما يبدأ معدل الإجهاض في الارتفاع أو تظهر حالات ولادة مواليد ضعيفة ومتكررة، يجب التفكير مباشرةً في العوامل المعدية.

1. الأسباب البكتيرية

أ) الكلاميديوز (Chlamydiosis)

  • عُزلت Chlamydophila spp من حالات:
    • إجهاض في اللاما.
    • ولادة مواليد ضعيفة (criás ضعيفة).
  • في الإبل، ارتبط Chlamydophila abortus (C. abortus) بـ:
    • العقم.
    • استسقاء الحويصلة المبيضية (Ovarian hydrobursitis).

هذا الميكروب:

  • يهاجم المشيمة مسببًا التهاب مشيمية (Placentitis).
  • يرفع احتمال:
    • فقدان الحمل المتأخر.
    • النفوق المبكر للمواليد.

إضافة إلى ذلك، تُعد بعض سلالات الكلاميديا أمراضًا مشتركة (Zoonotic)، لذا يجب التعامل مع الأنسجة المجهضة بحذر.

ب) البروسيلا (Brucellosis)

  • أهم الأنواع في الجمليات:
    • Brucella abortus
    • Brucella melitensis
  • في بعض مناطق العالم تُعتبر البروسيلا أحد أكثر أسباب الإجهاض شيوعًا في الإبل واللاما.

الصفات الأساسية:

  • الإجهاض غالبًا في الثلث الأخير من الحمل.
  • قد يصاحبه:
    • التهاب ضرع.
    • عرج.
    • التهابات مفصلية.
  • الحيوان المصاب:
    • يظل مصدرًا للعدوى مدى الحياة.
    • يطرح البكتيريا في الحليب، والإفرازات التناسلية، والمشيمة.

ولأن البروسيلا مرض مشترك خطير للبشر،
تتبع كثير من الدول سياسة الفحص والاستبعاد (Test & slaughter) في الإبل والماشية.

ج) أسباب بكتيرية أخرى

بالإضافة للبروسيلا والكلاميديا، تم تسجيل:

  • الليبتوسبيرا (Leptospira interrogans)
    • أهم السيروجروبات: Icterohaemorrhagiae و Ballum.
    • الإجهاض يحدث عادةً خلال فترة وجود البكتيريا في الدم (Leptospiremia).
    • قد تظهر على بعض الإناث علامات:
      • فقر دم.
      • يرقان.
      • هيموغلوبينية،
        بينما تظل إناث أخرى دون حرارة أو يرقان ظاهر.
  • ليستيريا (Listeria monocytogenes):
    • تسبب إجهاضات متفرقة غالبًا.
    • الجنين عادةً متفسخ، والآفات غير مميزة.
    • قد تتطور بعد الإجهاض التهابات رحمية شديدة (Metritis).
  • كامبيلوباكتر (Campylobacter fetus fetus):
    • يسبب إجهاضات في بعض القطعان لكن أقل شيوعًا مقارنة بالأغنام.
  • الالتهاب المشيمي الجرثومي غير النوعي (Nonspecific placentitis):
    • تعزل فيه بكتيريا مثل:
      • Escherichia coli
      • Streptococcus equi subsp. zooepidemicus
    • يكون الالتهاب المشيمي هو السبب المباشر لفقد الجنين.
  • Coxiella burnetii (الكوكسيللا / Q fever):
    • يُشتبه في دورها في إجهاض الجمليات،
      لكن حالات قليلة فقط تم توثيقها تشخيصيًا حتى الآن.
    • تُعد كذلك من الأمراض المشتركة المهمة للبشر.

2. الأسباب الفطرية

بوجه عام، الإجهاض الفطري في الجمليات نادر، ولكنه ممكن، خاصة مع:

  • Aspergillus spp عند تناول أعلاف متعفنة.
  • Encephalitozoon cuniculi في بعض التقارير،
    وهو طفيل ميكروسبوريدي (يُصنف تقليديًا ضمن الفطريات أو الفطريات الشبيهة).

عادةً ما تظهر هذه الإصابات على شكل:

  • حالات فردية (Sporadic).
  • دون أن تتحول إلى وباء قطيعي.

3. الأسباب الطفيلية الأولية (Protozoal)

مسببات طفيلية مهمة في إجهاض الجمليات تشمل:

  • Toxoplasma gondii (التوكسوبلازما):
    • تنتقل غالبًا عبر التلوث ببراز القطط الذي يحتوي على الأكياس البيضية.
    • تسبب:
      • امتصاصًا جنينيًا مبكرًا.
      • أو إجهاضًا متأخرًا.
      • أو مواليد ضعيفة.
  • Neospora caninum (النيُوسبورا):
    • عادةً ما تُرتبط بالكلاب كعائل نهائي.
    • قد تُسبب إجهاضًا متكررًا في بعض القطعان.
  • Sarcocystis aucheniae وS. cruzi:
    • وُصفت كأسباب محتملة للإجهاض في اللاما والألباكا.
  • Tritrichomonas foetus (التريكوموناس):
    • تم عزل الطفيل من بعض الإبل،
    • لكن لا يوجد دليل قاطع حتى الآن على أنه يسبب إجهاضًا مهمًا في هذه الأنواع كما في الأبقار.

4. الأسباب الفيروسية

أ) فيروس الإسهال الفيروسي البقري (BVDV)

يُعتبر BVDV أهم سبب فيروسي لفقدان الحمل في اللاما والألباكا، رغم أنه في الأصل فيروس خاص بالأبقار.

  • أكثر النماذج شيوعًا في الجمليات:
    • Noncytopathic BVDV-1b.

يمكن أن يؤدي إلى:

  • الإجهاض في أي مرحلة من مراحل الحمل.
  • أو ولادة:
    • جنين ضعيف.
    • أو مولود مُصاب إصابة مزمنة (Persistently infected – PI).

المولود الـ PI:

  • يطرح الفيروس باستمرار طوال حياته.
  • يشكل خطرًا كبيرًا على القطيع، لأنه مصدر دائم للعدوى.

التشخيص يعتمد على:

  • عزل الفيروس من:
    • دم الجنين.
    • العقد اللمفاوية الجنينية.
    • المشيمة.
  • الفحص المناعي النسيجي (Immunohistochemistry) على أنسجة محفوظة بالفورمالين.
  • PCR على الدم الكامل للمولود حديثًا؛
    وهذا الفحص يُستخدم كأداة مسح للمواليد في القطعان عالية الخطورة.

ب) فيروسات أخرى أقل شيوعًا

تم تسجيل إجهاضات في الجمليات بسبب:

  • Equine herpesvirus-1 (EHV-1)
  • Equine arteritis virus (EAV)
  • Bluetongue virus (فيروس اللسان الأزرق)

لكنها تبقى أقل انتشارًا من BVDV.

ثالثاً: التشخيص العملي لفقدان الحمل في الإبل واللاما والألباكا

لتحديد السبب بدقة، يحتاج الطبيب البيطري إلى منهج منظّم، يشمل ما يلي:

  1. جمع التاريخ المرضي (History):
    • نسبة الإجهاض في القطيع ومتى بدأت.
    • عمر الحمل عند حدوث الإجهاض.
    • نوع التغذية ومصادر الأعلاف.
    • استخدام أدوية أو لقاحات مؤخرًا.
    • إدخال حيوانات جديدة إلى القطيع.
  2. فحص الأم (Dam):
    • تقييم الحالة العامة (حرارة، نبض، تنفس).
    • جسّ الرحم عن طريق المستقيم أو باستخدام الموجات فوق الصوتية.
    • سحب عينات:
      • دم (للسيرولوجيا وقياس العناصر).
      • بول (خاصة عند الاشتباه في الليبتوسبيرا).
  3. فحص الجنين والمشيمة:
    • من الضروري إرسال:
      • الجنين (كاملًا إن أمكن).
      • المشيمة كاملة أو أكبر جزء منها.
    • يتم فحصهما:
      • عيانيًا (Gross examination) للبحث عن تشوهات أو التهابات.
      • نسيجيًا (Histopathology).
      • ميكروبيولوجيًا (زراعة بكتيرية / فطرية).
      • سيرولوجيًا أو باستخدام تقنيات PCR وELISA حسب الاشتباه.
  4. تقييم القطيع ككل:
    • فحص عدد من الحيوانات السليمة ظاهريًا.
    • قياس مستويات:
      • السيلينيوم.
      • اليود.
      • فيتامين A.
      • النحاس.
    • مراجعة جودة الأعلاف ومصادر المياه.

رابعاً: استراتيجيات الوقاية والسيطرة

بعد تحديد السبب (أو على الأقل تضييق الاحتمالات)، يمكن بناء برنامج وقاية فعال. ومن أهم العناصر:

1. إدارة التغذية

  • توفير علائق متوازنة تحتوي على:
    • كفاية من العناصر النادرة (Se, I, Cu) والفيتامينات.
  • تجنّب:
    • أعلاف متعفنة أو مخزنة في ظروف سيئة (لتقليل الفطريات والسموم).
  • الاهتمام الزائد بالإناث:
    • عالية الإنتاج من الحليب.
    • والإناث الصغيرة التي تحمل لأول مرة.

2. التحكم في الأمراض المعدية

  • تطبيق برامج تلقيح مناسبة حسب المتوفر والقوانين في البلد، مثل:
    • لقاحات البروسيلا (في بعض الدول).
    • لقاحات BVD.
    • لقاحات الليبتوسبيرا في القطعان عالية الخطورة.
  • عزل الإناث التي:
    • أجهضت حديثًا.
    • أو ولدت مواليد ضعيفة مع اشتباه عدوى.
  • التخلص الصحي من:
    • المشيمة.
    • الأجنة المجهضة.
    • الفرشة الملوثة.

3. إدارة القطيع والبيئة

  • تقليل الضغط الحراري عبر:
    • توفير الظل.
    • التهوية الجيدة.
    • المياه الباردة والنظيفة.
  • تجنّب النقل لمسافات طويلة في:
    • الثلث الأخير من الحمل قدر الإمكان.
  • وضع بروتوكول واضح:
    • لاستخدام الأدوية الهرمونية (مثل PGF2α والكورتيكوستيرويدات).
    • وتفادي استخدامها عشوائيًا في الإناث الحوامل.

4. مكافحة العوائل الوسيطة

  • تقليل وجود القطط في أماكن الأعلاف (للحد من التوكسوبلازما).
  • التحكم في الكلاب حول المزارع عند الاشتباه في نيُوسبورا.
  • مكافحة القوارض والحشرات التي قد تنقل:
    • الليبتوسبيرا.
    • أو Coxiella burnetii.

خلاصة:

فقدان الحمل في الإبل واللاما والألباكا مشكلة متعددة الأسباب، لا يمكن اختزالها في عدوى واحدة أو نقص عنصر واحد. لذلك يحتاج الطبيب أو المربي إلى:

  • جمع معلومات دقيقة عن التغذية والإدارة والعلاجات المستخدمة.
  • فحص الجنين والمشيمة كلما أمكن.
  • التفكير في مجموعة واسعة من الأسباب غير المعدية والمعدية.

عندما تُطبَّق برامج تغذية متوازنة، مع إدارة جيدة للقطيع والتزام صارم بإجراءات الصحة الوقائية، يمكن تقليل معدلات الإجهاض بشكل واضح وتحسين الأداء التناسلي والاقتصادي للقطيع.