يُعَدّ الإجهاض في الماعز من أهم المشكلات التناسلية التي تُسبب خسائر اقتصادية مباشرة للمربّي؛ لأنّه يعني فقدان الجنين، واحتمال فقدان الحليب، واضطراب الدورة التناسلية للعنزة (الأنثى)، بل وقد يضطر المربّي أحيانًا إلى التخلص من بعض الإناث بسبب تكرار الإجهاض أو ضعف خصوبتها بعد الإصابة.
يحدث الإجهاض نتيجة أسباب غير معدية (تغذية، سموم نباتية، أدوية…) أو أسباب معدية (بكتيرية، طفيلية، فيروسية)، وغالبًا تتداخل العوامل معًا إذا كانت إدارة القطيع ضعيفة.

هذه المقالة تُقدّم شرحًا مفصلًا لأهم مسببات الإجهاض في الماعز، مع توضيح طرق التشخيص والوقاية التي تساعد الطبيب البيطري والمربّي على حماية القطيع قدر الإمكان.

أولًا: الأسباب غير المعدية للإجهاض في الماعز

1. السموم النباتية (Plant toxins)

بعض النباتات الرعوية تحتوي على مركبات سامّة أو مُحدثة لاضطراب هرموني تؤدي إلى موت الجنين أو طرده قبل اكتمال نموّه. من هذه النباتات على سبيل المثال:

  • نباتات من نوع broomweed (حسب البيئة)
  • نباتات من عائلة الـ locoweed
  • أعشاب أو شجيرات أخرى قد تحتوي على قلويات أو جليكوسيدات تؤثر في:
    • وظيفة المشيمة
    • تروية الجنين بالدم
    • أو تسبّب تسممًا عامًا للأم

كلما كان الاعتماد على الرعي العشوائي أكبر، زادت فرصة تعرض الماعز لهذه النباتات. لذلك، يُنصح المربّي بأن:

  • يتعرّف إلى النباتات السامة المنتشرة في منطقته.
  • يُقلل فترة الرعي في المناطق المشبوهة.
  • يُوفر علفًا مركزًا وخشنًا متوازنًا لتقليل نَهَم الماعز لأوراق عشوائية.

2. نقص العناصر الغذائية والفيتامينات

النقص المزمن في بعض العناصر يؤدي إلى ضعف الأنسجة التناسلية والمشيمة، وبالتالي يزيد احتمالية الإجهاض أو ولادة جِداء ضعيفة:

  • نقص النحاس (Cu):
    • يؤدي إلى ضعف عام في النمو.
    • اضطراب في الخصوبة.
    • زيادة نسب الإجهاض وولادة جِداء هزيلة.
  • نقص السيلينيوم (Se) وفيتامين E:
    • يتسبب في ضعف العضلات (العضلات البيضاء في الجداء).
    • انخفاض كفاءة المناعة.
    • زيادة احتمال موت الجنين داخل الرحم أو عقب الولادة مباشرة.
  • نقص فيتامين A:
    • يؤثر في سلامة الأغشية المخاطية والبصر.
    • يُضعف بطانة الرحم ويُؤثر في تثبيت الجنين.
  • نقص المغنيسيوم وبعض الأملاح:
    • يُسبب اضطرابًا في استقلاب الطاقة.
    • يزيد من الإجهاد، وبالتالي قد يرفع احتمالية الإجهاض في المراحل المتقدمة من الحمل.

لذلك، من الضروري:

  • تحليل الأعلاف عند الإمكان.
  • استخدام مخاليط أملاح معدنية وفيتامينات مصممة للماعز.
  • مراجعة برامج التغذية خصوصًا في الثلث الأوسط والأخير من الحمل.

3. الأدوية والمركَّبات الدوائية

بعض الأدوية إذا استُخدمت في أواخر الحمل قد تُحفز الإجهاض مباشرة أو تُضعف الجنين:

  • مركبات الاستروجين (Estrogenic compounds)
  • الجلوكوكورتيكويدات (مثل بعض أدوية الكورتيزون بجرعات معيّنة)
  • بعض أدوية الديدان أو الأدوية القديمة مثل:
    • Phenothiazine
    • Carbon tetrachloride
    • Levamisole (إذا أُعطي في أواخر الحمل بجرعات غير مضبوطة)

لهذا السبب:

لا يُنصح إطلاقًا بإعطاء أدوية لأي عنزة حامل بدون استشارة بيطرية، خصوصًا في الثلث الأخير من الحمل.

ثانيًا: الأسباب المعدية للإجهاض في الماعز

الأسباب المعدية هي الأخطر؛ لأنها:

  • تنتشر بين أفراد القطيع.
  • قد تُصيب الإنسان (أمراض مشتركة Zoonotic).
  • تُسبب أحيانًا نفوقًا في الجِداء والأمهات.

من أهم هذه الأمراض:

  1. البروسيلا (Brucellosis) – خاصة Brucella melitensis
  2. الكلاميديا (Chlamydophila abortus)
  3. Coxiella burnetii (حمى Q)
  4. Leptospira بأنواعها
  5. Listeria monocytogenes
  6. Toxoplasma gondii
  7. Caprine herpesvirus 1 (CHV-1)

1. البروسيلا عند الماعز (Brucellosis)

العامل المسبب

  • الأهم: Brucella melitensis
  • أحيانًا: Brucella abortus

تُعد بروسيلا ميليتنسيس من أخطر العوامل؛ لأنها:

  • تُسبب إجهاضًا في الثلث الأخير غالبًا (حوالي الشهر الرابع من الحمل).
  • قد تُرافقها:
    • التهاب ضرع (Mastitis)
    • عرج (Lameness)
  • تُشكّل خطرًا كبيرًا على الإنسان (مرض مشترك) وتسبب الحمى المالطية.

الصورة المرضية

  • قد يبدو الجنين والمشيمة طبيعيين ظاهريًا.
  • لكن:
    • تتطور داخل الرحم التهابات مزمنة تُؤثر على خصوبة العنزة.
    • العدوى في الماعز البالغة عادةً مدى الحياة.
  • تُطرح البكتيريا في:
    • الحليب
    • إفرازات الرحم بعد الإجهاض أو الولادة

التشخيص

  • اختبارات مصلية مثل:
    • Tube agglutination
    • Card test
    • ELISA في بعض المختبرات
  • تُؤخذ عينات من:
    • المصل
    • الحليب
    • أو أنسجة الجنين والمشيمة في حالة الإجهاض

السيطرة

  • في الدول التي تطبّق برامج صارمة:
    • سياسة “الفحص والتخلص” (Test & slaughter) للحيوانات الموجبة.
  • تطبيق:
    • قواعد الأمن الحيوي (Biosecurity)
    • منع إدخال حيوانات جديدة بدون حجر وفحص.
  • من الناحية الصحية:
    • يجب تجنّب استهلاك الحليب غير المبستر من قطعان يُشتبه فيها البروسيلا.
    • يجب ارتداء القفازات والكمامات عند التعامل مع حالات الإجهاض.

2. فيروس الهربس في الماعز (Caprine herpesvirus type 1 – CHV-1)

طبيعة الفيروس

  • قريب من فيروس IBR في الأبقار.
  • يُسبّب:
    • إجهاضات متفرقة في أواخر الحمل.
    • غالبًا بدون ظهور أعراض تنفسية واضحة في القطيع.

الأشكال السريرية الأخرى

في الماعز البالغة:

  • التهاب الفرج والمهبل (Vulvovaginitis)
  • التهاب القلفة عند الذكور (Balanoposthitis)
  • التهابات تنفسية خفيفة

في الجِداء حديثة الولادة:

  • أمراض معوية (Enteric)
  • أمراض جهازية حادة قد تنتهي بالنفوق.

الأجنّة والإصابة

  • الأجنّة المجهضة:
    • قد تُوجد طازجة أو متحللة (Autolyzed)
    • غالبًا دون آفات جسيمة مميزة.
  • الفحص النسيجي قد يُظهر:
    • بؤر تنكرزية
    • أجسام احتوائية نَوَوية (Intranuclear inclusion bodies) في:
      • الكبد
      • الرئة
      • أعضاء أخرى

التشخيص

  • يعتمد على:
    • الفحص النسيجي (Histopathology)
    • عزل الفيروس
    • PCR
    • أو تقنيات التلوين المناعي (Immunohistochemistry)

ملاحظات مهمة

  • ليس كل جنين يحمل آفات أو فيروسًا، لذا:
    • من الأفضل إرسال أكثر من جنين إلى المختبر.
  • الماعز المصابة قد تُصبح حاملة للفيروس بشكل كامن (Latent infection)، وتطرح الفيروس في أوقات الإجهاد.
  • لا يتوفر لقاح تجاري معتمد لهذا الفيروس في كثير من الدول.

3. الكلاميديا (Chlamydiosis – Enzootic Abortion)

العامل المسبب

  • Chlamydophila abortus
  • يُعرف أيضًا بأنه مسبب الإجهاض المُعدي في النعاج، وهو كذلك سبب شائع جدًا للإجهاض في الماعز.

الصورة الوبائية

  • في القطعان غير المُحصَّنة (Naive):
    • قد تصل نسبة الإجهاض أو ولادة جِداء ميتة أو ضعيفة إلى 60% من الإناث الحوامل.
  • يحدث الإجهاض غالبًا في:
    • الثلث الأخير، لكن يمكن أن يحدث في أي مرحلة من الحمل.

الأعراض المصاحبة في القطيع

غالبًا ما تقتصر الأعراض على فشل تناسلي:

  • تكرار الإجهاض
  • جِداء ميتة أو ضعيفة

وفي بعض الأحيان تظهر أعراض إضافية:

  • التهاب تنفسي خفيف
  • التهاب مفاصل (Polyarthritis)
  • التهاب ملتحمة العين (Conjunctivitis)
  • احتباس مشيمة (Retained placenta)

الآفات

  • الجنين عادةً:
    • طازج بدون تغيّرات واضحة.
  • المشيمة:
    • التهاب مشيمي (Placentitis) مع:
      • إفراز بني محمر يغطي:
        • الكُتيلات (Cotyledons)
        • المناطق البين-كُتيلية (Intercotyledonary areas)

التشخيص

  • يمكن رؤية الكائنات الكلاميدية في:
    • مسحات ملونة من المشيمة
  • لكن:
    • لا يمكن تمييزها مجهريًا عن Coxiella burnetii
  • التشخيص المؤكد يكون عبر:
    • Fluorescent antibody
    • Immunohistochemistry
    • ELISA
    • PCR
    • أو الزراعة المعملية (Culture)

المعالجة والسيطرة

  • أثناء انتشار المرض:
    • عزل الإناث المُجهِضة.
    • إعطاء التتراسيكلين فمويًا أو بالحقن لباقي القطيع حسب توجيه الطبيب.
  • لا يوجد لقاح خاص بالماعز في كثير من الدول، لكن:
    • قد يُستخدم لقاح النعاج في بعض البرامج بعد استشارة بيطرية.
  • العنزة التي تُجهض بسبب الكلاميديا:
    • تكتسب غالبًا مناعة قوية في المواسم التالية، لكن تبقى احتمالية حملها للميكروب قيد البحث.
  • تحذير صحي مهم:
    • كلاميدوفيلا أبورتس مرض مشترك، وقد يُسبب إصابة خطيرة في النساء الحوامل، لذلك يُمنع تواجد الحوامل قرب حالات الإجهاض أو المشيمة.

4. كوكسيلا برنيتي (Coxiella burnetii – حمى Q)

أهمية المرض

  • يُعتبر سببًا متزايد الأهمية في الإجهاض عند الماعز.
  • ينتشر أحيانًا في النعاج أيضًا.
  • يُمكن أن يُصيب نسبة قد تصل إلى 50% من القطيع في البؤر الحادة.

الصورة السريرية

  • إجهاض في أواخر الحمل.
  • ولادة جِداء ميتة أو ضعيفة.
  • قد تكون الأمهات بأعراض خفيفة أو شبه طبيعية.

الآفات

  • المشيمة:
    • مغطاة بإفراز رمادي إلى بني.
    • المناطق البين-كُتيلية سميكة ومُتليِّفة.
  • نسيجيًا:
    • التهاب وعائي تنكّسي (Necrotizing vasculitis)
    • خلايا مشيمية ممتلئة بمستعمرات من الكائنات الصغيرة (Coccobacilli)

التشخيص

  • التشخيص يعتمد أساسًا على المشيمة؛ إذ إن:
    • إصابة الجنين وحده غير كافية عادةً.
  • يُستخدم:
    • PCR
    • تلوين مناعي
    • الزراعة (في مختبرات متخصصة)
  • الكائن زوناوسي (Zoonotic):
    • يُسبب حمّى Q في الإنسان.
    • ينتقل عبر:
      • استنشاق الغبار الملوث.
      • التعامل مع المشيمة والفضلات دون حماية.

السيطرة

  • عزل الماعز المُجهِضة والتعامل الحذر مع المشيمة.
  • التخلص الصحي من الأجنة والمشيمة بالحرق أو الدفن العميق.
  • الالتزام بوسائل الحماية الشخصية للعاملين.

5. الليبتوسبيرا (Leptospirosis)

الأنماط المصلية الشائعة في الماعز

  • Grippotyphosa
  • Pomona
  • Icterohaemorrhagiae
  • Autumnalis

الصورة السريرية

  • الماعز أكثر حساسية من الأغنام.
  • يحدث الإجهاض غالبًا أثناء مرحلة الليبتوسيميا (وجود البكتيريا في الدم).
  • بعض الإناث تظهر عليها:
    • فقر دم (Anemia)
    • يرقان (Icterus)
    • هيموجلوبين في البول أو الدم
  • قد تبدو إناث أخرى:
    • بدون حرارة واضحة
    • وبدون يرقان، ثم تُجهض فجأة.

التشخيص

  • فحوص مصلية (Serology).
  • أو كشف البكتيريا في:
    • بول الأم.
    • المشيمة.
    • كلى الجنين.

الوقاية

  • إدارة جيدة لمياه الشرب والبرك.
  • مكافحة القوارض.
  • برامج تلقيح ضد بعض الأنماط المصلية (حيث تتوفر اللقاحات وتوصي بها السلطات البيطرية المحلية).

6. الليستيريا (Listeriosis)

العامل المسبب

  • Listeria monocytogenes

الصورة السريرية

  • تُسبب:
    • إجهاضات متفرقة في الماعز.
  • غالبًا لا تُظهر الأنثى علامات قبل الإجهاض.
  • بعد الإجهاض:
    • قد تتطور التهاب رحم شديد (Metritis).

التشخيص

  • لا توجد آفات جنينية مميزة.
  • يُعزل الميكروب من:
    • المشيمة
    • محتوى أمعاء الجنين (Abomasal contents)
    • الإفرازات الرحمية

السيطرة

  • في حال ظهور حالات فردية:
    • يُعالج الحيوان ويُعزل.
  • في حال بؤرة في القطيع (وهو نادر):
    • يُوصى بإعطاء تتراسيكلين وقائيًا لباقي القطيع بتوجيه الطبيب.

7. التوكسوبلازما (Toxoplasma gondii)

أهمية المرض

  • سبب شائع للإجهاض في الماعز، يشبه ما يحدث في النعاج.
  • ينتقل غالبًا عبر:
    • تلوث العلف أو مياه الشرب ببراز القطط الحاملة للأكياس البيضية للطفيلي.

الصورة السريرية

  • قد يسبب:
    • إجهاضات في أوقات مختلفة من الحمل.
    • أو ولادة جِداء ضعيفة وغير قادرة على الرضاعة.
  • بعض الإناث تلد جِداء طبيعية وجِداء ميتة في نفس الحمل.

الآفات

  • في الجنيني والمشيمة:
    • آفات نسيجية مميزة يمكن رؤيتها بالفحص المجهري.
  • تعتمد درجة الضرر على:
    • توقيت العدوى خلال الحمل.

الوقاية

  • إبعاد القطط عن أماكن تخزين العلف.
  • منع تلوث المعالف والمرعى ببراز القطط.
  • إدارة جيدة للفرشة والمياه.

ثالثًا: التشخيص في حالات الإجهاض عند الماعز

للوصول إلى تشخيص دقيق، يجب:

  1. جمع التاريخ المرضي الكامل:
    • العمر
    • عدد الإناث المُجهِضة
    • التوقيت خلال الحمل
    • نوع العلف والرعي
    • استخدام أدوية أو لقاحات
    • وجود أمراض أخرى في القطيع
  2. إرسال العينات للمختبر البيطري:
    • جنين كامل أو أجزاء منه (كبد، رئة، معدة).
    • مشيمة كاملة أو جزء ممثل (مهم جدًا في حالات الكلاميديا وكوكسيلا).
    • عينات دم من الإناث المُجهِضة وأخرى سليمة للمقارنة.
  3. الربط بين النتائج:
    • الصورة السريرية في القطيع
    • نتائج الفحص النسيجي
    • نتائج المزارع البكتيرية أو PCR أو الاختبارات المصلية

رابعًا: استراتيجيات الوقاية العامة من الإجهاض في الماعز

  1. تحسين الإدارة والتغذية:
    • توفير علائق متوازنة غنيّة بالعناصر الدقيقة والفيتامينات.
    • منع الهزال الشديد أو السمنة المفرطة في الإناث.
    • تجنب الإجهاد الحراري أو البرودة الشديدة في نهاية الحمل.
  2. التحكم في الأمراض المعدية:
    • عزل الإناث المُجهِضة فورًا.
    • التخلص الصحي من الأجنّة والمشيمة.
    • عدم استخدام الماعز المُجهِضة في التناسل إلا بعد تقييم بيطري (خصوصًا في البروسيلا).
    • استخدام اللقاحات المتاحة والمعتمدة رسميًا (مثل بعض لقاحات الليبتوسبيرا أو الكلاميديا أو التوكسوبلازما في الأغنام، حسب تشريعات بلدك).
  3. التقليل من مخاطر الأمراض المشتركة (Zoonoses):
    • ارتداء قفازات وكمامة وملابس واقية عند التعامل مع حالات الإجهاض.
    • غسل الأيدي جيدًا بالماء والصابون بعد الانتهاء.
    • منع النساء الحوامل والأطفال من دخول أماكن القطيع المصاب أو التعامل مع الأجنّة والمشيمة.
  4. المتابعة البيطرية المنتظمة:
    • إجراء زيارات دورية للطبيب البيطري.
    • فحص القطيع قبل موسم التزاوج.
    • تقييم نسب الإجهاض سنويًا ووضع خطة تحكم طويلة المدى.