مقدمة

الإسهال وأمراض الأمعاء في الحملان والجِداء من أهم أسباب النفوق في الأيام الأولى من العمر، خاصة في التربية المكثّفة وفي الحظائر المغلقة.
من بين هذه الأمراض يبرز مرض الفم المائي في الحملان (Watery Mouth Disease / Rattle Belly)، وهو حالة تسمُّم دموي حاد يمكن أن يقتل نسبة كبيرة من المواليد خلال ساعات إذا لم يُكتشف ويُعالَج مبكرًا.

في هذا المقال سنشرح بشكل مبسّط، ولكن دقيق، ما يحتاجه المربّي العربي عن هذا المرض: الأسباب، والأعراض، وطريقة التشخيص، وخطوات العلاج والوقاية.

أولاً: ما هو مرض الفم المائي في الحملان؟

مرض الفم المائي هو حالة إنتان دموي وإندوتوكسيميا تصيب الحملان حديثة الولادة، خاصة خلال العمر من 12 إلى 72 ساعة.
يتميّز المرض بـ:

  • خمول شديد وانعدام الرضاعة
  • انخفاض حرارة الجسم
  • خروج خيوط من اللعاب من الفم (فم مبلول دائمًا)
  • انتفاخ البطن بما يشبه «حملان شبعانة»، مع أن العكس هو الصحيح

نِسَب الإصابة قد تصل إلى 30٪ من المواليد في القطيع، بينما قد تتجاوز نسبة النفوق 80٪ إذا لم يُتدخّل في الوقت المناسب، لذلك يُعتبر من أخطر أمراض المواليد في الأغنام.

ثانياً: كيف يحدث مرض الفم المائي؟ (الأسباب وآلية المرض)

1. المسبب الرئيسي

المرض مرتبط بزيادة نمو بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) في أمعاء الحملان.
المهم هنا أن هذه السلالات:

  • لا تحمل عادةً المستضد F5 (K99)
  • تعتبر غير معوية وغير مفرزة للسموم المعوية مثل سلالات إسهال العجول
  • لكنها قادرة على دخول الدم والتسبب في إنتان دموي وإطلاق كميات كبيرة من الإندوتوكسين

عندما يصل عدد البكتيريا في الدم لمستويات عالية، تُطلق كميات من السموم البكتيرية تؤدي إلى صدمة إندوتوكسينية قد تقتل الحمل خلال وقت قصير.

2. دور السرسوب (اللبأ)

تقريبًا كل حالات الفم المائي مرتبطة بـ نقص أو تأخر تناول السرسوب؛ لأن:

  • السرسوب هو المصدر الأساسي للأجسام المضادة (المناعة السلبية)
  • الحمل الذي لا يحصل على السرسوب خلال الساعات الأولى يبقى بلا دفاع حقيقي أمام البكتيريا الموجودة في البيئة

كلما كان الامتصاص أضعف، زادت فرصة البكتيريا لدخول الدم وحدوث المرض.

3. عوامل خطورة تزيد احتمال الإصابة

هناك ظروف معينة تجعل بعض الحملان أكثر عرضة من غيرها، منها:

  • تأخر أو ضعف تناول السرسوب (أم ضعيفة، حمل صغير أو ضعيف، تزاحم على الضرع)
  • الولادات التوأمية أو الثلاثية؛ غالبًا لا يحصل كل مولود على كفايته
  • نعاج هزيلة أو تغذيتها سيئة في أواخر الحمل
  • بيئة ولادة ملوثة ومزدحمة بالحملان وبقايا الروث
  • إجراءات مجهدة مبكرًا مثل الخصي في أول 24 ساعة؛ تقلل الشهية وتقلل تناول السرسوب

كل هذه العوامل تعمل معًا: حمل ضعيف + بيئة ملوثة + نقص مناعة = فم رطب وإنتان دموي.

ثالثاً: الأعراض السريرية التي يلاحظها المربّي

غالبًا ما تظهر العلامات في الحملان من عمر 1–3 أيام، ويمكن للمربّي ملاحظة ما يلي:

  • خمول واضح، الحمل يرقد كثيرًا ولا ينهض مع القطيع
  • انعدام الرضاعة أو ضعف مصّ الضرع
  • انخفاض حرارة الجسم (الحمل بارد عند اللمس، خصوصًا في الأطراف)
  • خيوط طويلة من اللعاب تتدلّى من الفم؛ أحيانًا يكون الفم مبلولاً فقط مع وجود لعاب رغوي
  • أحيانًا مفرزات دموع خفيفة (زيادة الدموع)
  • انتفاخ الكرش أو بالأصح امتلاء الكرش/الأنفحة بالغاز والسوائل؛ يعطي انطباعًا كاذبًا بأن الحمل «مُتخم»
  • عند هز الحمل برفق يمكن سماع صوت يشبه «الرجرجة» في البطن؛ ومن هنا جاء اسم Rattle Belly
  • الإسهال قد يكون موجودًا أحيانًا، لكنه ليس علامة ثابتة لهذا المرض

مع تقدّم الحالة، تزداد شدة الخمول وقد يدخل الحمل في صدمة إندوتوكسينية ثم ينفق خلال وقت قصير.

رابعاً: ماذا نرى عند التشريح (الصفات المرضية)؟

في الحملان التي تنفق بسبب مرض الفم المائي، يمكن للطبيب البيطري ملاحظة:

  • انتفاخ والتهاب في القناة الهضمية
  • وجود العقي (meconium) غير المطرود بالكامل في الأمعاء
  • كُلى وعضلات شاحبة بسبب الصدمة وقلة التروية
  • تجفاف واضح وأنسجة جافة
  • عقد لمفاوية مساريقية متضخمة ونشِطة

الفحوصات المخبرية في الحالات المتقدمة تُظهر:

  • إندوتوكسيميا واضحة
  • نقص كريات الدم البيضاء
  • نقص سكر الدم الشديد
  • حموضة دموية لبنية (lactic acidemia)

جميع هذه التغيرات تؤكّد أننا أمام حالة صدمة إنتانية حادة.

خامساً: تشخيص مرض الفم المائي والتفريق عن الأمراض المشابهة

حتى الآن، ما زال سبب المرض الدقيق وآليته موضع نقاش، لذلك يعتمد التشخيص عمليًا على:

  1. العمر: حملان بعمر 12–72 ساعة في نظام تربية مكثّف.
  2. الأعراض: خمول + فم مبلول باللعاب + انتفاخ البطن مع غياب أو قلة الإسهال.
  3. التاريخ المرضي في القطيع: نقص السرسوب، اكتظاظ، نظافة ضعيفة، نفوق متكرر في نفس العمر.
  4. نتائج التشريح عند نفوق بعض الحملان، كما ذكرنا سابقًا.

الأمراض التي يجب التفريق بينها وبين الفم المائي

  • إنتان سرّة أو مفصل (Navel ill / Joint ill)
  • التجويع الأولي (حمل لم يرضع أصلًا)
  • انخفاض حرارة الجسم الشديد بدون إنتان
  • حالات الإسهال المعدية الكلاسيكية في المواليد

وجود اللعاب الزائد، مع بطن ممتلئ وفم بارد، في عمر يوم إلى ثلاثة أيام، يُعتبر مؤشرًا قويًا لمرض الفم المائي.

سادساً: علاج مرض الفم المائي في الحملان

لا يوجد علاج نوعي واحد للمرض، لذلك نعتمد على العلاج الداعم المكثّف لتجاوز مرحلة الصدمة.

1. تعويض السوائل والطاقة

  • تقديم حليب الأم أو بديل الحليب بكميات صغيرة ومتكررة خلال اليوم.
  • الهدف هو تعويض الطاقة ومنع نقص السكر، لكن دون إغراق الجهاز الهضمي بكميات كبيرة دفعة واحدة.
  • في الحالات الشديدة، قد يحتاج الحمل إلى محاليل وريدية يقررها الطبيب البيطري لتعويض الجفاف وتصحيح الحموضة.

2. المضادات الحيوية

  • يُنصح باستخدام مضاد حيوي جهازي واسع الطيف ضد البكتيريا سالبة الجرام، مثل:
    • أموكسيسيلين + كلافولانيك أسيد (Amoxicillin–Clavulanic acid)
  • تُعطى الجرعة حسب وزن الحمل ولمدة يحددها الطبيب، وغالبًا من 3–5 أيام.
  • الهدف هو السيطرة على الإنتان الدموي وتقليل كمية الإندوتوكسين.

3. مضادات الالتهاب ومضادات الإندوتوكسين

  • يمكن استخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) أو أحيانًا الكورتيكوستيرويدات بتقدير الطبيب.
  • هذه الأدوية تخفف الألم، وتقلل شدة الالتهاب، وتساعد في السيطرة على الصدمة الإندوتوكسينية.

4. التدفئة والرعاية التمريضية

  • رفع حرارة الجسم باستخدام مصابيح تدفئة أو بطانيات جافة.
  • تجفيف الحمل جيدًا وإبعاده عن التيارات الهوائية الباردة.
  • مراقبة شهية الحمل واستجابته للعلاج كل عدة ساعات.

مع ذلك، يجب أن يعرف المربّي أن علاج هذه الحالات مجهِد ومكلِّف ونسبة النجاح ليست 100٪، لذلك تبقى الوقاية أهم وأكثر جدوى اقتصاديًا.

سابعاً: الوقاية وخفض نسبة الإصابة في القطيع

1. إدارة جيدة للنعاج قبل الولادة

  • توفير تغذية متوازنة في أواخر الحمل لضمان إنتاج كميات كافية من السرسوب.
  • الحفاظ على حالة جسم جيدة (لا نحيفة جدًا ولا سمينة).

2. نظافة أماكن الولادة والحظائر

  • تنظيف الحظائر بانتظام، مع تغيير الفرشة الملوثة بالروث والبول.
  • تعقيم الأدوات المستخدمة أثناء الولادة قدر الإمكان.
  • تجنّب الاكتظاظ الشديد، خصوصًا مع أنظمة التربية داخل الحظائر المغلقة.

3. برنامج صارم لإدارة السرسوب

  • تأكيد حصول كل حمل على ما لا يقل عن 50 مل لكل كغ من وزن الجسم من السرسوب خلال أول 6 ساعات بعد الولادة.
  • يمكن استخدام:
    • سرسوب النعاج في نفس القطيع (من أمهات سليمة)
    • أو سرسوب أبقار/ماعز مجمّد ومحفوظ بطريقة صحية
    • أو بدائل سرسوب تجارية معتمدة
  • في الحملان الضعيفة أو التوائم، يُفضَّل استخدام الرضّاعة أو أنبوب المريء لضمان الكمية.

4. تقليل الضغوط على الحملان في أول 24 ساعة

  • تأجيل إجراءات مثل الخصي أو الوسم بعد اليوم الأول؛ لأنها تقلل تناول الحليب وتزيد خطر المرض.

5. المعالجة الميتافيلاكية (في القطعان عالية الخطورة)

في بعض الحظائر التي يحدث فيها المرض سنويًا، يمكن للطبيب أن يوصي بـ:

  • جرعة واحدة من مضاد حيوي فموي للحملان عالية الخطورة خلال أول ساعتين بعد الولادة.
  • هذه الاستراتيجية أثبتت فعاليتها في التجارب للحد من النفوق، حتى في غياب الأجسام المضادة من السرسوب.

مع ذلك، يجب الانتباه إلى:

  • حصر استخدام هذه الطريقة في القطعان والمواليد عالية الخطورة فقط.
  • تجنّب الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية؛ لأنه يزيد من مشكلة مقاومة البكتيريا للأدوية على المدى الطويل.

ثامناً: نصائح سريعة للمربّي

  • أي حمل عمره أقل من 3 أيام، خامل، لا يرضع، وفمه مبلول باللعاب → اعتبره حالة طارئة.
  • افحص حرارة الجسم؛ إذا كانت منخفضة، ابدأ بالتدفئة قبل أي شيء آخر.
  • لا تحاول «ملء بطنه بالحليب» مرة واحدة؛ قد يزيد ذلك الحالة سوءًا.
  • اتصل بالطبيب البيطري فورًا لبدء المحاليل الوريدية والمضادات الحيوية إذا لزم الأمر.
  • ركّز جهدك الأكبر على نظافة الولادة والسرسوب الجيد؛ فكل حمل ينجو من المرض هو توفير مباشر في خسائر القطيع.