تُعدّ متلازمة الأمعاء النزفية من أخطر الأمراض المعوية التي تصيب الأبقار البالغة، خاصة الأبقار الحلوب عالية الإنتاج.
يتميز هذا المرض بظهور مفاجئ، وتطور سريع، وقد ينتهي بنفوق الحيوان خلال فترة قصيرة إذا لم يُكتشف مبكرًا.

لهذا السبب، يحتاج المربّي إلى فهم هذا المرض جيدًا: ما هو؟ ولماذا يحدث؟ وكيف يمكن التعرف عليه والتعامل معه؟ في هذا المقال سنعرض ذلك خطوة بخطوة بأسلوب مبسط.

ما هي متلازمة الأمعاء النزفية؟

متلازمة الأمعاء النزفية هي حالة التهاب نزفي حاد في جزء من الأمعاء الدقيقة.
خلال هذه الحالة يتكوّن داخل الأمعاء خثرات دموية (جلطات) تلتصق بجدار الأمعاء وتسبب انسدادًا في اللمعة.

نتيجة هذا الانسداد، تتراكم السوائل والغازات قبل منطقة الانسداد، فيحدث:

  • انتفاخ واضح في البطن
  • ألم شديد
  • تدهور سريع في حالة الحيوان العامة

وإذا لم يتم التدخل في الوقت المناسب، قد تتطور الحالة إلى التهاب بريتوني وتسمم دموي ثم نفوق.

أسباب المرض وآلية حدوثه

ما يزال السبب الدقيق لمتلازمة الأمعاء النزفية غير محسوم، ومع ذلك تشير الأدلة إلى أنها مرض متعدد العوامل.
بمعنى آخر، لا يوجد عامل واحد فقط مسؤول عن المرض، بل عدة عوامل تتداخل معًا.

1. دور بكتيريا Clostridium perfringens type A

أولاً، تُعتبَر هذه البكتيريا من السكان الطبيعيين في أمعاء الأبقار.
لكن في بعض الظروف قد تزداد أعدادها بشكل كبير، فتنتج سمومًا قوية تؤذي جدار الأمعاء.

هذه السموم يمكن أن تؤدي إلى:

  • التهاب حاد في الأمعاء الدقيقة
  • نزيف موضَّع
  • موت (نخر) في جزء من جدار الأمعاء

2. دور الفطر Aspergillus fumigatus

ثانيًا، هناك دور يُشتبه به لفطر Aspergillus fumigatus، وهو فطر شائع في الأعلاف والدريس وخاصة الأعلاف المخزنة بشكل سيئ.
قد لا يكون هذا الفطر وحده كافيًا لإحداث المرض، ولكنه قد يعمل مع البكتيريا وعوامل أخرى في إتلاف جدار الأمعاء وزيادة شدة الإصابة.

3. كيف تتطور الإصابة داخل الأمعاء؟

لفهم الصورة بشكل أوضح، يمكن تلخيص تطور الحالة كما يلي:

  1. يبدأ الأمر بـ التهاب نزفي موضَّع في جزء من الأمعاء الدقيقة.
  2. بعد ذلك يتكوّن داخل اللمعة جلطة دموية متماسكة تلتصق بالمخاطية.
  3. هذه الجلطة تسبب انسدادًا ميكانيكيًا يمنع مرور محتويات الأمعاء.
  4. نتيجة لذلك، تتجمع السوائل والغازات أمام منطقة الانسداد، فيحدث انتفاخ شديد وجفاف واضطراب في عمل الجهاز الهضمي.
  5. مع استمرار الحالة يمتدّ النخر عبر جدار الأمعاء، وقد يتطور الأمر إلى التهاب بريتوني وتسمم دموي حاد.

عوامل الخطورة والفئات الأكثر تعرضًا

من المهم أن يعرف المربّي متى يكون القطيع أكثر عرضة لهذا المرض، لأن معرفة عوامل الخطورة تساعد في الانتباه المبكر.

غالبًا ما تظهر متلازمة الأمعاء النزفية في:

  • الأبقار الحلوب البالغة
  • في الأشهر الثلاثة الأولى من الإدرار
  • في القطعان ذات الإنتاج المرتفع من الحليب

بالإضافة إلى ذلك، هناك عوامل يُعتقد أنها تزيد من احتمال ظهور المرض، مثل:

  • العلائق الغنية جدًا بـ الكربوهيدرات سريعة التخمر (الحبوب بكميات عالية)
  • التغذية على خلطات كاملة (TMR) ذات محتوى عالٍ من النشاء
  • التغيرات المفاجئة في نوع العليقة أو كميتها
  • الأعلاف الرديئة أو المخزنة في ظروف سيئة، خاصة إذا كانت ملوثة بالعفن

عادةً يكون معدل الإصابة في القطيع بين 1–2%، ومع ذلك قد تصل النسبة في بعض القطعان إلى 10% أو أكثر.
في المقابل، تكون نسبة النفوق في الحيوانات المصابة مرتفعة إذا لم تتلقَّ العلاج سريعًا.

الأعراض السريرية لمتلازمة الأمعاء النزفية

تظهر الأعراض عادةً بشكل مفاجئ، وهذا ما يزيد من خطورة المرض.
لذلك، من الضروري أن ينتبه المربّي لأي تغير غير طبيعي في سلوك الأبقار أو إنتاجها.

1. التغيرات في السلوك والإنتاج

من أول العلامات التي قد يلاحظها المربّي:

  • فقدان شهية مفاجئ
  • خمول واكتئاب واضح
  • انخفاض حاد في إنتاج الحليب خلال فترة قصيرة جدًا

هذه التغيّرات قد تبدو في البداية غير محددة، ولكن عند اجتماعها مع علامات أخرى يصبح الاشتباه في متلازمة الأمعاء النزفية أكثر منطقية.

2. علامات المغص وانتفاخ البطن

بالإضافة إلى ذلك، تظهر علامات واضحة على وجود ألم بطني، مثل:

  • انتفاخ في الجانب الأيمن من البطن
  • ركل البطن بالأرجل الخلفية
  • توتر الحيوان وعدم ارتياحه

عند فحص البطن، قد يُسمع صوت ارتطام السوائل عند هز البطن، وهو ما يدل على تراكم السوائل في الأمعاء.

3. التغيرات في البراز

التغيرات في البراز تعد علامة مهمة للغاية، ومنها:

  • قلة كمية البراز
  • خروج كتل من الدم المتخثر ذات لون داكن وقوام يشبه مربّى التوت
  • في حالة الانسداد الكامل لفترة طويلة يصبح المستقيم:
    • جافًا
    • ويحتوي على كميات قليلة فقط من براز داكن لزج

4. العلامات العامة الخطيرة

مع تقدم الحالة، تظهر علامات عامة تدل على سوء حالة الحيوان، مثل:

  • جفاف واضح
  • شحوب الأغشية المخاطية (مثل ملتحمة العين)
  • زيادة في معدل النبض والتنفس
  • ضعف عام قد يتطور إلى:
    • رقود على الصدر
    • ثم استلقاء جانبي
    • وفي النهاية نفوق خلال 2–4 أيام إذا لم يُقدَّم العلاج

التغيرات المرضية (ما يراه الطبيب في الجراحة أو التشريح)

عند فتح البطن في جراحة استكشافية، أو عند تشريح حيوان نافق، يمكن ملاحظة ما يلي:

  • جزء من الأمعاء الدقيقة يكون:
    • متضخمًا
    • ذا لون أحمر داكن
    • ومغطى بخيوط أو طبقات من الفبرين على السطح الخارجي
  • الأجزاء التي تسبق مكان الانسداد (الأمعاء قبل الجزء المصاب والمعدة الرابعة) تكون:
    • منتفخة بالغاز والسوائل
  • داخل اللمعة:
    • توجد جلطة دموية متماسكة ملتصقة بالمخاطية
    • ومع تقدم المرض يصبح هذا الجزء من الأمعاء هشًا وسهل التمزق

تشخيص متلازمة الأمعاء النزفية

1. التشخيص المبدئي

يُبنى التشخيص الأولي على مجموعة من المؤشرات، أهمها:

  • ظهور مفاجئ لعلامات انسداد الأمعاء (انتفاخ، ألم، قلة براز)
  • وجود براز يحتوي على دم متخثر داكن بقوام هلامي
  • تاريخ مرضي يشمل:
    • بقرة حلوب عالية الإنتاج
    • في بداية موسم الحليب
    • مع انخفاض مفاجئ في إنتاج الحليب

(براز البقرة المصابة بمتلازمة الأمعاء النزفية)

2. التشخيص المؤكد

غالبًا لا يمكن تأكيد التشخيص بشكل قاطع إلا بطريقتين:

  • إما عبر جراحة استكشافية ورؤية الجزء المصاب
  • أو عبر تشريح الحيوان بعد النفوق

3. التشخيص التفريقي

من ناحية أخرى، يجب التفريق بين متلازمة الأمعاء النزفية وبين أمراض أخرى قد تعطي صورة مشابهة، مثل:

  • الانغلاف المعوي (Intussusception)
  • اتساع الأعور والتفافه
  • التواء الأمعاء أو جذر المساريقا
  • قرحة المعدة النازفة التي تسبب برازًا أسود (Melena)

لذلك، يعتمد التشخيص النهائي دائمًا على الربط بين الأعراض السريرية، والتاريخ المرضي، والفحص الداخلي للأمعاء.

علاج متلازمة الأمعاء النزفية

العلاج في هذه الحالات يعتبر طارئًا، وكلما كان التدخل أسرع كانت فرصة الحيوان أفضل.

1. التدخل الجراحي

يُعدّ التدخل الجراحي المبكر حجر الأساس في العلاج، ويهدف إلى:

  • تحديد الجزء المتضرر من الأمعاء
  • محاولة تفكيك الجلطة الدموية يدويًا داخل اللمعة وإعادة فتح المجرى
  • وفي الحالات المتقدمة قد يلجأ الطبيب إلى استئصال الجزء المصاب وربط الأجزاء السليمة

2. العلاج الداعم

إلى جانب الجراحة، يحتاج الحيوان إلى رعاية داعمة مكثفة، وتشمل عادة:

  • إعطاء سوائل وريدية لتعويض:
    • الجفاف
    • واضطرابات الكهارل، خاصة نقص البوتاسيوم والكلور
  • أدوية لدعم الدورة الدموية وتقليل الصدمة
  • مضادات حيوية واسعة الطيف بحسب تقدير الطبيب
  • في بعض الحالات:
    • استخدام أدوية محفزة لحركة الأمعاء
    • وإعطاء الهيبارين بجرعات مدروسة لمنع تكوّن خثرات جديدة داخل الأمعاء

ورغم كل هذه الجهود، تبقى نسبة النفوق مرتفعة، ولذلك يكون التوقع العام للحالة حذرًا، خاصة إذا تم التدخل في مراحل متأخرة.

الوقاية وتقليل الخطورة

حتى الآن لا توجد استراتيجية وقاية مؤكدة لمتلازمة الأمعاء النزفية، ومع ذلك يمكن للمربّي أن يقلل من احتمال حدوثها عبر مجموعة من الإجراءات العملية، من أهمها:

  • تجنب التغييرات المفاجئة في نوع أو كمية العليقة
  • عدم الإفراط في تقديم الحبوب والنشويات سريعة التخمر دون توازن مناسب مع الألياف
  • التأكد من جودة الأعلاف وخلوّها قدر الإمكان من العفن والرطوبة الزائدة
  • الاهتمام بشكل خاص بإدارة الأبقار عالية الإنتاج في فترة بداية الإدرار، لأنها الأكثر حساسية

في بعض القطعان استُخدمت لقاحات ضد أنواع معينة من Clostridium perfringens.
مع ذلك، ما تزال الأدلة العلمية على فعاليتها في هذا المرض محدودة، لذا ينبغي عدم الاعتماد عليها وحدها.

خلاصة للمربّي

باختصار، متلازمة الأمعاء النزفية في الأبقار مرض حاد وخطير، يتطور سريعًا ويهدد حياة الحيوان، خاصة في الأبقار الحلوب عالية الإنتاج.

لذلك، من المهم أن ينتبه المربّي إلى:

  • أي انخفاض مفاجئ في إنتاج الحليب
  • ظهور مغص وانتفاخ في البطن
  • تغير واضح في البراز، خاصة إذا كان يحتوي على دم متخثر داكن

وفي حال الشك، يجب التواصل سريعًا مع الطبيب البيطري، لأن كل ساعة تأخير قد تقلل من فرص نجاة الحيوان.