كرش البقرة هو “مصنع التخمر” في جسمها؛ فيه تُهضَم الألياف وتتحوّل إلى طاقة بفضل ملايين الكائنات الدقيقة.
عندما نغذّي البقرة بشكل صحيح، يعمل الكرش بكفاءة عالية. لكن عند الخطأ في العليقة أو طريقة التغذية، يمكن أن تتحوّل هذه الميزة إلى مشكلة خطيرة تُسمّى: حموضة الكرش.

حموضة الكرش (Ruminal Acidosis) من أهم اضطرابات الهضم في الأبقار الحلوب وحيوانات التسمين، وهي سبب خفي لكثير من المشاكل:
انخفاض إنتاج الحليب، إسهال، التهاب الحافر، ضعف الخصوبة، ونفوق في الحالات الحادة.

هذا المقال يشرح للمربي بلغة بسيطة:

  • ما هي حموضة الكرش؟
  • ما أسبابها؟
  • ما العلامات التي يجب الانتباه لها؟
  • كيف يتصرف المربي؟ وكيف يقي قطيعه منها؟

أولًا: ما هي حموضة الكرش؟

الكرش وسط تخمري حساس، له درجة حموضة (pH) تتراوح عادة بين 6–7 تقريبًا.
عندما تنخفض هذه الدرجة بشكل واضح بسبب:

  • زيادة الأحماض الناتجة عن التخمّر
  • أو ضعف قدرة الكرش على تعديل الحموضة

تصبح بيئة الكرش حمضية أكثر من اللازم، وهذا ما نسمّيه حموضة الكرش.

هناك صورتان رئيسيتان:

  1. حموضة الكرش تحت الحادة (Subacute)
    • شائعة في الأبقار الحلوب.
    • لا يموت الحيوان مباشرة، لكن تتأثر الإنتاجية وصحة الكرش والأرجل.
  2. حموضة الكرش الحادة (Acute)
    • تحدث غالبًا بعد تناول كمية كبيرة من الحبوب أو العلف المركز دفعة واحدة.
    • قد تؤدي إلى حالة طارئة، وتلف شديد في الكرش، ونفوق إن لم يُتدخَّل سريعًا.

ثانيًا: الأسباب الرئيسية لحموضة الكرش

معظم أسباب حموضة الكرش مرتبطة بـ العليقة وطريقة تقديمها، ومن أهمها:

1. علائق عالية في الحبوب، قليلة في الألياف

مثل:

  • تقديم كميات كبيرة من الذرة أو الشعير أو مركزات طاقية
  • مع نقص في التبن أو العلف الخشن

الحبوب والكربوهيدرات سريعة التخمر تُنتج أحماضًا بكميات عالية، وإذا لم توجد ألياف كافية لتحفيز المضغ وإفراز اللعاب (الذي يعمل كمنظّم للحموضة)، يهبط pH الكرش.

2. تغييرات مفاجئة في نوع أو كمية العلف

مثال:

  • الانتقال فجأة من عليقة بسيطة إلى عليقة غنية بالحبوب
  • زيادة كمية المركزات خلال يوم أو يومين بدلًا من التدرّج على مدى أسبوعين

الكرش يحتاج وقتًا للتكيّف مع أي تغيير، وأي انتقال مفاجئ يربك التوازن الميكروبي ويزيد خطر الحموضة.

3. طحن الحبوب طحنًا ناعمًا جدًا

الحبوب المطحونة ناعمًا:

  • تُهضم بسرعة أكبر
  • تُنتج أحماضًا عضوية بكميات كبيرة خلال وقت قصير

فتزيد احتمالية حموضة الكرش مقارنةً بالحبوب المجروشة أو المدحرجة.

4. نقص “الألياف الفعّالة” في العليقة

حتى لو كانت الألياف موجودة على الورق (في جدول التحليل)، قد تكون:

  • مقطّعة قصيرة جدًا
  • أو موجودة في صورة لا تشجع على المضغ

الألياف الفعّالة هي الألياف ذات الطول والقوام الذي يجبر البقرة على المضغ وإعادة الاجترار، وبالتالي إفراز اللعاب الذي يعادل الحموضة.

5. فرز العلف (Sorting)

في بعض أنظمة التغذية (خاصة عند استخدام الخلاطات):

  • تقوم الأبقار بفرز العليقة، فتأكل الحبوب الناعمة أولًا
  • وتترك الأجزاء الخشنة (التبن والألياف) في النهاية أو لا تأكلها جيدًا

هذا التصرف يزيد من تركيز الحبوب في الوجبة الفعلية لكل بقرة، حتى لو كانت العليقة على الورق متوازنة.

6. ممارسات خاصة شائعة في بعض المزارع

في ظروف بعض المزارع في الوطن العربي، نرى أمثلة مثل:

  • تقديم خبز يابس أو بواقي مخبوزات بكميات كبيرة
  • إعطاء حبوب كاملة أو مكسّرة بكميات كبيرة وقت الحلب كمكافأة
  • تغيّر مفاجئ في نوع المركزات لاعتبارات سعرية

كل هذه الممارسات تحمل خطورة إذا لم تُحسب الكميات وتُراعى الألياف والتدرّج.

ثالثًا: علامات حموضة الكرش التي يمكن أن يلاحظها المربّي

الأعراض قد تكون واضحة أو خفية، وتختلف حسب شدّة الحالة، ومن أهمها:

1. في الحموضة تحت الحادة (الشائعة في الأبقار الحلوب)

  • انخفاض في الشهية: أحيانًا تأكل البقرة جزءًا من العليقة وتترك الباقي.
  • تراجع إنتاج الحليب: انخفاض تدريجي أو متذبذب دون سبب واضح آخر.
  • انخفاض دهن الحليب: من العلامات المهمة في الأبقار الحلوب.
  • إسهال أو براز رخو:
    • أحيانًا يكون للبراز رائحة حمضية قوية.
    • قد تظهر حبوب كاملة أو غير مهضومة في البراز.
  • نقص الاجترار:
    • قلة عدد الأبقار التي ترى حبل الاجترار في أفواهها عند المراقبة.
  • خمول عام وتيبّس في الحركة:
    • مع مرور الوقت يمكن ظهور مشاكل في الحافر (التهاب الحافر، تعرج).

2. في الحموضة الحادة

  • خمول شديد أو انبطاح.
  • فقدان شهية تام.
  • جفاف (جفاف الفم والأنف، قلة البول).
  • تنفس سريع، أحيانًا مع ارتفاع في الحرارة أو تعب شديد.
  • إسهال ذو رائحة شديدة.

هذه الحالات طارئة وتحتاج تدخلًا بيطريًا سريعًا.

رابعًا: كيف يتصرف المربّي عند الاشتباه بحموضة الكرش؟

مهم: حموضة الكرش حالة يمكن أن تتطور إلى مشاكل خطيرة؛ لذلك التشخيص والعلاج التفصيلي من اختصاص الطبيب البيطري أو اختصاصي التغذية.

1. مراقبة القطيع وتحديد الأبقار المشتبه بها

  • راقب: الشهية، الاجترار، قوام البراز، الإنتاج.
  • دوّن ملاحظاتك:
    • متى بدأت المشكلة؟
    • هل تغيّرت العليقة مؤخرًا؟
    • هل زادت كمية الحبوب أو المركزات؟

هذه المعلومات تساعد الطبيب كثيرًا في التشخيص.

2. مراجعة العليقة فورًا

  • افحص كمية الحبوب/المركزات لكل بقرة يوميًا.
  • تأكد من وجود كمية كافية من التبن أو العلف الخشن الجيد في العليقة.
  • إذا كنت تستخدم عليقة كاملة مخلوطة (TMR)، تأكّد من:
    • تجانس الخلط
    • عدم إمكانية فرز المكونات بسهولة.

3. الاتصال بالطبيب البيطري أو خبير التغذية

الحالات الحادة أو المتكررة تحتاج إلى:

  • فحص سريري للبقرات المصابة.
  • تقييم حالة الكرش وربما إجراء قياس pH لعينة من محتويات الكرش.
  • وضع خطة تعديل للعليقة، وقد تُستخدم مضادات حموضة خاصة بالكرش وسوائل وعلاجات داعمة حسب شدة الحالة.

4. تجنّب العلاجات العشوائية

  • لا تُعطِ أدوية أو خلطات شعبية غير معروفة التأثير.
  • لا ترفع أو تخفّض كمية العلف بشكل حاد دون خطة.
  • لا تعتمد فقط على “زيوت” أو إضافات بدون استشارة، خاصة في الحالات الشديدة.

خامسًا: الآثار الطويلة الأمد لحموضة الكرش

حتى لو لم تمت الأبقار مباشرة من الحموضة، فإن التكرار أو استمرار الحموضة تحت الحادة قد يؤدي إلى:

  • التهاب مزمن في بطانة الكرش.
  • تكوّن خراجات في الكبد (Liver abscesses).
  • مشاكل في الحافر (التهاب الحافر، تعرج، ألم مزمن).
  • ضعف الخصوبة وتأخر الشياع.
  • تدهور عام في إنتاجية القطيع وربحيته.

لذلك، التعامل مع حموضة الكرش ليس مجرد حلّ لحالة طارئة، بل هو جزء من إدارة صحية واقتصادية للقطيع.

سادسًا: كيف يقي المربّي قطيعه من حموضة الكرش؟

1. التدرّج في التغيير

  • أي تغيير في كمية المركزات أو نوع العلف يجب أن يتم تدريجيًا على مدار 10–14 يومًا.
  • زيادة الحبوب تكون على خطوات صغيرة، مع مراقبة الشهية والبراز والإنتاج.

2. توفير ألياف فعّالة كافية

  • تأكد من:
    • وجود تبن أو علف خشن جيد النوعية في العليقة.
    • أن طول القطع الخشنة يسمح بالمضغ والاجترار ولا يكون قصيرًا جدًا.

الألياف الفعّالة تضمن:

  • زيادة المضغ والاجترار.
  • زيادة إفراز اللعاب الذي يساعد على معادلة الحموضة في الكرش.

3. توزيع العلف على وجبات

  • تجنّب إعطاء كمية كبيرة من الحبوب في وجبة واحدة.
  • قسّم المركزات على وجبتين أو أكثر قدر الإمكان.

4. إدارة جيدة لِمِعلف العليقة

  • تأكد من أن كل الأبقار تصل إلى العلف في نفس الوقت تقريبًا، ولا تُهمَل أفراد ضعيفة.
  • تجنّب فترات طويلة من الجوع ثم تقديم كمية كبيرة من العلف دفعة واحدة.

5. استشارة مختص في تغذية المجترات

  • إعداد عليقة متوازنة للطاقة، والبروتين، والألياف، والمعادن.
  • في بعض الحالات قد يُنصح باستخدام إضافات علفية منظِّمة للكرش تحت إشراف مختص.

6. المتابعة المستمرة

  • راقب يوميًا:
    • الشهية
    • الاجترار (عدد الأبقار التي تجتر في أوقات الراحة)
    • شكل البراز
    • إنتاج الحليب ونسبة الدهن
  • أي تغيّر ملحوظ يستحق التوقّف والبحث عن السبب قبل أن تتحول المشكلة إلى حموضة مزمنة.

خاتمة

حموضة الكرش عند الأبقار ليست مشكلة بسيطة، لكنها في الوقت نفسه قابلة للسيطرة والوقاية إذا فهم المربّي:

  • علاقة العليقة ببيئة الكرش
  • خطورة التغييرات المفاجئة في التغذية
  • أهمية الألياف الفعّالة وتوازن الحبوب مع التبن

الخطوة الأهم هي أن يعتبر المربّي صحة الكرش جزءًا من رأس مال قطيعه؛ فالأبقار التي تمتلك كرشًا سليمًا تعطي حليبًا أفضل، وتعيش عمرًا أطول، وتحتاج إلى علاج أقل، وتحقق عائدًا اقتصاديًا أعلى.

وكلما كان هناك تعاون بين المربّي والطبيب البيطري واختصاصي التغذية، كانت نتيجة إدارة القطيع أفضل، وحُميت الأبقار من كثير من المشاكل الهضمية وعلى رأسها حموضة الكرش.