مقدمة: لماذا نقول إن السمك يعيش في الماء مرتين؟
في الاستزراع السمكي، السمك لا يحتاج إلى العلف فقط؛ بل يحتاج أولًا إلى ماء نظيف متوازن.
ماء الحوض هو الهواء والغذاء والبيئة في آن واحد؛ فإذا فسدت جودة الماء، يتوقف النمو، وتزيد الأمراض، وقد يحدث نفوق مفاجئ رغم أن العلف “ممتاز”.
في هذا المقال سنشرح ببساطة أهم عناصر جودة مياه الأحواض السمكية التي تهم المربّي في الوطن العربي، مع التركيز على الأحواض الترابية أو الأسمنتية أو البلاستيكية البسيطة، وأدوات يمكن الحصول عليها من محلات مستلزمات الأسماك أو المختبرات العادية.
سنركّز على أربعة عناصر رئيسية:
- الأكسجين الذائب
- الأمونيا
- درجة الحموضة (pH)
- العكارة
مع ربطها بسلوك السمك في الحوض وكيف يلاحظ المربّي المشكلة مبكرًا.
أولًا: الأكسجين الذائب (DO)
ما هو؟
الأكسجين الذائب هو كمية الأكسجين الموجودة في الماء التي تستطيع الأسماك التنفس منها عبر الخياشيم.
معظم أسماك المياه الدافئة (مثل البلطي) تنمو جيدًا عندما يكون الأكسجين الذائب في الحوض حوالي 4–5 ملغم/لتر فأكثر.
متى ينخفض الأكسجين؟
- في آخر الليل وقبل شروق الشمس (لأن التنفّس يستمر طوال الليل بينما يتوقف البناء الضوئي للطحالب).
- عند زيادة العلف ووجود بقايا غير مأكولة تتحلل وتستهلك الأكسجين.
- عند إفراط التسميد العضوي (زبل دواجن، سماد بلدي…) بدون تهوية كافية.
- في الأيام الحارة الهادئة التي تقل فيها حركة الهواء على سطح الماء.
علامات نقص الأكسجين على سلوك السمك
راقب الحوض جيدًا خاصة في الفجر وبداية الصباح:
- تجمع الأسماك عند سطح الماء أو قرب بوابة الدخول.
- محاولة السمك “النهج” أو التقاط الهواء من السطح.
- حركة بطيئة، فقدان الشهية، أو سباحة غير متزنة.
- نفوق مفاجئ بعد ليلة غائمة أو حارة.
ماذا يفعل المربّي عند الاشتباه؟
إجراءات إسعافية سريعة:
- تحريك الماء قدر الإمكان (مجداف، مضخة مياه تعيد الماء من قناة مرتفعة، تشغيل نافورة بسيطة إن وُجدت).
- إدخال مياه جديدة إذا كانت متاحة ونظيفة.
- إيقاف التغذية مؤقتًا في ذلك اليوم لتقليل استهلاك الأكسجين.
إجراءات طويلة المدى:
- عدم ترك بقايا علف في الماء (تقليل الكمية تدريجيًا حتى تُستهلك كاملة).
- عدم المبالغة في التسميد العضوي بدون تهوية.
- التفكير في استخدام مضخة هواء (Blower) بسيطة أو مضخات أحواض زينة قوية في الأحواض الصغيرة.
ثانيًا: الأمونيا (NH₃/NH₄⁺)
ما هي الأمونيا؟
الأمونيا تنتج من:
- فضلات الأسماك.
- تحلل بقايا العلف.
في الماء توجد الأمونيا في شكلين:
- NH₃ (غير المتأينة): أكثر سمّية للأسماك.
- NH₄⁺ (متأينة): أقل سمّية، وتزداد نسبيًا عندما يكون الـ pH منخفضًا.
كلما زاد الـ pH وارتفعت الحرارة، زادت نسبة الشكل السام NH₃.
التركيزات القليلة من الأمونيا غير المتأينة (أعلى من 0.02 ملغم/لتر تقريبًا) تصبح مؤذية، ويُفضّل أن تكون الأمونيا الكلية في أحواض التربية منخفضة جدًا (حوالي 0.5 ملغم/لتر أو أقل).
كيف يعرف المربّي أن الأمونيا مرتفعة؟
علامات على السمك:
- احمرار أو التهاب في الخياشيم.
- السمك يحكّ جسمه بجدران الحوض أو القاع.
- تنفّس سريع، صعود متكرر للسطح.
- بطء النمو رغم وفرة العلف.
كيف نقيس الأمونيا بوسائل بسيطة؟
في الوطن العربي يمكن الحصول على:
- أطقم اختبار الأمونيا (Ammonia Test Kits) من محلات مستلزمات أحواض الزينة أو بعض محلات الأدوية البيطرية.
- علبة بها كواشف، تُضاف قطرات منها إلى عينة ماء، ويتغيّر اللون.
- يُقارن اللون بجدول على العلبة لمعرفة التركيز تقريبًا.
هذه الأطقم رخيصة نسبيًا، وتكفي لمئات القياسات، وهي مناسبة جدًا لمزارع البلطي والأحواض الصغيرة.
كيف نخفّض الأمونيا؟
- تقليل العلف إلى كمية يستهلكها السمك خلال دقائق معدودة.
- سحب جزء من ماء الحوض واستبداله بماء نظيف.
- تحسين التهوية؛ لأن البكتيريا التي تحوّل الأمونيا إلى نيتريت ثم نترات تحتاج إلى أكسجين.
- في الأنظمة المغلقة (خزانات، أحواض بلاستيكية منزلية):
- استخدام فلتر بيولوجي (إسفنج، حصى، بلاستيك خاص) يمر عليه الماء مع وجود تهوية قوية؛ تنمو عليه بكتيريا نافعة تحوّل الأمونيا إلى نترات أقل سمّية.
ثالثًا: درجة الحموضة (pH)
ما هو pH ولماذا يهم؟
الـ pH مقياس لدرجة الحموضة أو القلوية في الماء:
- 7 = متعادل
- أقل من 7 = ماء حمضي
- أكثر من 7 = ماء قلوي
معظم أسماك المياه العذبة – ومنها البلطي – تنمو جيدًا في مدى pH بين 6.5 و 8.5 تقريبًا.
ارتفاع الـ pH كثيرًا يزيد سمّية الأمونيا، وانخفاضه الشديد يسبّب ضغطًا شديدًا على الخياشيم والدم.
تغيّر الـ pH خلال اليوم
- صباحًا: يكون أقل قليلًا بسبب تراكم ثاني أكسيد الكربون أثناء الليل.
- نهارًا: يرتفع مع نشاط الطحالب والبكتيريا في البناء الضوئي.
المهم ألا تتجاوز التذبذبات حدودًا كبيرة في نفس اليوم (يفضّل ألّا تزيد عن وحدة pH تقريبًا).
كيف يقيس المربّي الـ pH؟
أمام المربّي خيارات بسيطة متوفرة:
- شرائط pH (ورق عباد الشمس المطوّر)
- تُغمس في الماء، ثم يُقارن اللون بمقياس على العلبة.
- جهاز pH “قلم”
- صغير ورخيص نسبيًا، يُغمس طرفه في الماء ليعطي قراءة رقمية بعد معايرته بمحاليل قياسية.
تعديل الـ pH في الأحواض الترابية
- إذا كان الـ pH منخفضًا (أقل من 6.5):
- يمكن استخدام الجير الزراعي (كربونات الكالسيوم أو الدولوميت) بكميات محسوبة، يُنثر على قاع الحوض عند التجفيف أو تدريجيًا في الماء، مع استشارة مختص لتحديد الكمية التقريبية حسب نوع التربة.
- إذا كان الـ pH مرتفعًا (أكثر من 8.5):
- تجنّب الإفراط في التسميد العضوي الذي يغذّي الطحالب.
- تقليل ساعات التعرض لضوء الشمس إن أمكن (مظلات جزئية للأحواض الصغيرة).
- تجديد جزء من ماء الحوض بماء أقل قلوية إن توفر.
رابعًا: العكارة (Turbidity)
ما المقصود بالعكارة؟
هي درجة “عتمة” الماء؛ أي وجود جزيئات دقيقة معلّقة فيه:
- قد تكون طحالب وعوالق نباتية (تعطي لونًا أخضر أو بنيًا فاتحًا).
- أو طين/رمل (ماء بني أو رمادي).
- أو مخلوط من الاثنين.
ما هو الوضع المناسب؟
- ماء أخضر فاتح غالبًا يعني وجود عوالق “بلانكتون” مفيدة تغذي السلسلة الغذائية وتظلل قاع الحوض.
- ماء شفاف جدًا قد يدل على فقر غذائي، وكثرة نمو الحشائش المائية.
- ماء أخضر داكن أو “شبيه بالطحينة” يدل على إفراط في نمو الطحالب، وهذا خطير؛ لأنه يرفع الأكسجين نهارًا لكنه يستهلكه بشدة ليلًا، مما يسبب اختناق الأسماك في الفجر.
طريقة بسيطة لمراقبة العكارة
يمكن للمربّي صناعة أداة بسيطة تشبه قرص سيكي (Secchi disk):
- طبق أبيض أو غطاء بلاستيكي دائري، يُربط في خيط مدرّج.
- يُنزل في الماء حتى يختفي عن النظر، ثم يُسجّل العمق.
- العمق الصغير جدًّا (مثلًا أقل من 20–25 سم) مع لون أخضر داكن = كثافة طحلبية عالية تحتاج إلى تخفيف (تقليل تسميد، تجديد ماء، تحسين تهوية).
خامسًا: كيف يراقب المربّي جودة المياه بوسائل بسيطة؟
“شنطة متابعة” صغيرة لمزرعة الأسماك
يمكن تجهيز حقيبة صغيرة للأحواض السمكية تحتوي على:
- شرائط قياس pH.
- طقم اختبار أمونيا (وأحيانًا نيتريت).
- ترمومتر بسيط لقياس درجة حرارة الماء.
- في الأحواض المهمة أو الكثافة العالية: يمكن التفكير في جهاز قياس أكسجين ذائب إذا كان متاحًا.
هذه الأدوات متوفرة غالبًا في:
- محلات مستلزمات أحواض الزينة.
- بعض متاجر المختبرات أو مستلزمات الزراعة.
جدول متابعة عملي
مثال بسيط:
- مرتين أسبوعيًا: قياس pH والأمونيا، مع تسجيل النتائج في دفتر.
- يوميًا عند الفجر: مراقبة سلوك السمك بحثًا عن علامات نقص الأكسجين.
- مرة أسبوعيًا: ملاحظة العكارة (لون الماء وعمق الرؤية) وتعديل التسميد والتغذية بحسب الحالة.
سادسًا: علامات سوء جودة الماء على سلوك السمك
إذا لاحظت واحدًا أو أكثر من الآتي، فكّر فورًا في اختبار الماء:
- صعود السمك إلى السطح باستمرار، خاصة في آخر الليل.
- توقف السمك عن الأكل أو انخفاض الشهية بشكل واضح.
- حركة عصبية، سباحة سريعة ثم توقف مفاجئ، أو تجمع السمك في ركن محدد.
- حكّ الجسم بالأرض أو الجدران (قد يرتبط بالأمونيا أو مشاكل جلدية وطفيليات).
- نفوق يومي لعدد صغير من الأسماك بدون سبب ظاهر، أو نفوق مفاجئ لعدد كبير بعد ليلة حارة/غائمة.
هذه العلامات لا تُفسَّر دائمًا بالماء وحده، لكنها إشارة مبكرة أن هناك مشكلة تتطلب:
- فحص جودة الماء.
- مراجعة كمية العلف.
- استشارة مختص عند الحاجة.
خلاصة للمربّي
- جودة مياه الحوض هي أساس نجاح الاستزراع السمكي قبل العلف وقبل نوع السمك.
- ركّز على أربعة عناصر:
- الأكسجين الذائب
- الأمونيا
- الـ pH
- العكارة
- استخدم أدوات بسيطة متاحة في السوق المحلي (شرائط، أطقم اختبار، ترمومتر، تهوية بسيطة).
- راقب سلوك السمك يوميًا؛ فهو “أول من يخبرك” أن الماء أصبح غير مريح قبل أن ترى النفوق.
بهذه المتابعة البسيطة المنتظمة، تحمي استثمارك، وتقلّل المفاجآت، وتضمن – بإذن الله – نموًا أفضل للأسماك وحصادًا أكثر استقرارًا.