العمل في الطب البيطري عمل إنساني ونبيل، لكنه في الوقت نفسه محفوف بعدد كبير من المخاطر المهنية. فالأطباء البيطريون والفنيون والعاملون في العيادات والمستشفيات والمزارع يتعاملون يوميًا مع حيوانات مختلفة، وأجهزة وأدوات طبية، ومواد كيميائية وأدوية، وضغوط نفسية عالية.
لذلك، لا يكفي إتقان التشخيص والعلاج فقط، بل يجب أيضًا فهم المخاطر المهنية ووضع استراتيجيات واضحة لتقليلها. في هذا المقال نستعرض أهم هذه المخاطر، مع طرق عملية للوقاية والحد منها داخل العيادات البيطرية والمزارع.
أولًا: مخاطر التعامل مع الحيوانات
1. إصابات الركل والسحق
التعامل مع الحيوانات، خاصة الحيوانات الكبيرة مثل الأبقار والخيل، قد يؤدي إلى:
- ركل العاملين بأرجل الحيوان
- ضغط العامل بين الحيوان وبين الحائط أو الحواجز
- سقوط العامل تحت الحيوان أو بين الحيوانات
هذه الإصابات قد تكون بسيطة أحيانًا، لكنها قد تسبب كسورًا أو كدمات خطيرة في حالات أخرى.
كيف نقلل من هذه المخاطر؟
- تصميم جيد لمرافق التعامل مع الحيوانات
مثل الممرات الضيقة، والأقفاص، وأماكن التثبيت التي تسمح بالحركة الآمنة للحيوان والعامل في نفس الوقت. - تدريب العاملين على التعامل مع كل نوع من الحيوانات
يجب ألا يُسمح لأي موظف أو متطوع بالتعامل مع نوع من الحيوانات إلا إذا تلقى تدريبًا واضحًا ومسبقًا على هذا النوع. - تجنّب العمل الفردي مع الحيوانات الكبيرة قدر الإمكان
فوجود شخصين أو أكثر يزيد من الأمان ويساعد في السيطرة عند الطوارئ.
2. عضات الحيوانات وخدوشها
تُعد عضّات الكلاب والقطط وخدوش القطط من أكثر الإصابات شيوعًا في العيادات البيطرية، كما يمكن أن يحدث العض من حيوانات أخرى.
هذه الجروح لا تسبب ألمًا فقط، بل قد تؤدي إلى:
- التهابات بكتيرية
- إصابات في الأوتار والمفاصل
- في بعض الحالات: التعرض لأمراض مشتركة مثل داء الكلب
استراتيجيات الوقاية
- تدريب العاملين على أساليب التقييد الآمن والإنساني
– استخدام مبادئ التعامل منخفض التوتر (Low-stress handling)
– فهم سلوك الحيوان ولغة جسده لتجنب استفزازه - استخدام وسائل التقييد المناسبة
مثل:- الكمّامات
- المناشف والبطانيات
- الأقفاص والممرات
- التهدئة الدوائية (المهدئات) للحيوانات العدوانية أو شديدة الخوف
- عدم السماح للمالك بتقييد حيوانه بنفسه
حمايةً له وللفريق الطبي في الوقت نفسه. - غسل أي عضة أو خدش فورًا بالماء والصابون
ثم تقييم الجرح طبيًا، مع مراعاة مخاطر العدوى وداء الكلب حسب الحالة.
ثانيًا: الإجهاد العضلي والهيكلي (الإرجونوميكس)
الطب البيطري مهنة تعتمد كثيرًا على العمل البدني: حمل الحيوانات، نقل أقفاص، الانحناء لفترات طويلة، الوقوف المتواصل، وتكرار حركات معينة.
نتيجة ذلك قد تظهر:
- آلام في أسفل الظهر
- مشاكل في الرقبة والكتفين
- إصابات في اليدين والمعصمين
- اضطرابات عضلية هيكلية مزمنة
كيف نحسّن الإرجونوميكس في مكان العمل؟
- تقييم بيئة العمل من منظور الإرجونوميكس
مثل ارتفاع الطاولات، أماكن الأدراج، وضعية الأجهزة، ومسافات الحركة. - استخدام أدوات مساعدة في الرفع والنقل
مثل عربات نقل، منصات ارتفاع، أو فرق عمل بدلًا من شخص واحد يرفع أوزانًا كبيرة. - تعديل ارتفاع طاولات الفحص بحيث يسمح بالعمل في وضعية مريحة قدر الإمكان.
- تقسيم المهام وتدوير الموظفين
لتقليل التعرض المستمر لنفس الحركات أو الأوضاع. - تدريب العاملين على الوضعيات الصحيحة عند الرفع والانحناء والوقوف، مع تشجيعهم على أخذ فترات راحة قصيرة.
ثالثًا: الانزلاق والتعثّر والسقوط
الانزلاق والتعثّر والسقوط من أكثر أسباب الحوادث شيوعًا في العيادات والمستشفيات البيطرية:
- أرضيات مبللة بسبب التنظيف أو السوائل
- انسكاب أدوية أو سوائل جسمية للحيوانات
- أسطح غير مستوية
- ممرات مزدحمة بالأجهزة أو الصناديق
هذه الحوادث لا تصيب العاملين فقط، بل قد تصيب أيضًا العملاء والحيوانات داخل المكان.
إجراءات الحد من المخاطر
- تنظيف أي سائل مسكوب فورًا مع وضع لافتات تحذيرية إذا كانت الأرضية ما تزال رطبة.
- الحفاظ على الممرات خالية من العوائق – عدم ترك صناديق أو معدات في مسارات الحركة.
- استخدام أحذية عمل مناسبة ذات نعل مانع للانزلاق.
- الإبلاغ عن أي أرضية تالفة أو غير مستوية لإصلاحها بسرعة.
- تدريب العاملين على ملاحظة الأوضاع غير الآمنة والتبليغ عنها.
رابعًا: مخاطر المركبات والتنقل المهني
كثير من الأطباء البيطريين والفنيين يعملون في:
- عيادات متنقلة
- زيارات ميدانية للمزارع والمربيين
- إسعاف حيوانات في أماكن مختلفة
هذا النوع من العمل يزيد التعرض لـ:
- حوادث الطرق
- القيادة لمسافات طويلة مع الإرهاق
- ظروف جوية أو طرق سيئة
كيف نعزّز السلامة في التنقل؟
- التأكد من سلامة المركبات وصيانتها دوريًا
بما في ذلك الفرامل، الإطارات، الإشارات، المسّاحات، وأحزمة الأمان. - الالتزام بقواعد القيادة الآمنة
وتجنّب القيادة في حالات الإرهاق الشديد قدر الإمكان. - تنظيم جدول الزيارات بطريقة تقلل الحاجة إلى القيادة لمسافات طويلة في يوم واحد.
- التحقق من امتلاك السائقين رخصًا سارية ومناسبة لنوع المركبة.
خامسًا: مخاطر الضوضاء
الضوضاء في البيئات البيطرية قد تكون أعلى من المستويات الموصى بها، خاصة في:
- بيوت الإيواء المكتظة بالكلاب
- أماكن وجود خنازير أو حيوانات كثيرة مع معدات صاخبة
- استخدام بعض الأجهزة مثل مجففات الأقفاص، وآلات قص الشعر، ومعدات المزارع
الضوضاء لا تؤثر على الإنسان فقط، بل تزيد أيضًا من توتر الحيوانات.
آثار الضوضاء
- فقدان سمع تدريجي عند التعرض المستمر لمستويات عالية
- صداع وإرهاق وصعوبة في التركيز
- زيادة توتر الحيوانات وصعوبة التعامل معها
استراتيجيات السيطرة على الضوضاء
- تقييم أماكن العمل لقياس مستويات الضوضاء عند الحاجة.
- تقليل الضوضاء من المصدر قدر الإمكان عبر صيانة المعدات أو استبدالها بأخرى أقل ضجيجًا.
- استخدام عوازل صوتية في بعض المناطق مثل غرف الكلاب.
- تدوير العاملين بين مناطق هادئة وصاخبة لتقليل مدة التعرض.
- توفير سدادات أذن أو معدات حماية سمعية للعاملين في الأماكن ذات الضوضاء العالية.
سادسًا: مخاطر الإشعاع المؤين
في كثير من العيادات البيطرية تُستخدم:
- أجهزة الأشعة السينية (X-ray)
- أحيانًا مواد مشعة لأغراض تشخيصية أو علاجية
التعرض غير المنضبط لهذه المصادر قد يسبب أضرارًا صحية على المدى الطويل.
مبادئ السلامة من الإشعاع
- وجود بروتوكولات مكتوبة وواضحة للسلامة الإشعاعية.
- وضع لافتات تحذير في مناطق الأشعة، مع تقييد الدخول عند التصوير.
- تقليل زمن التعرض قدر الإمكان – مبدأ “أقصر وقت ممكن”.
- زيادة المسافة من مصدر الإشعاع – استخدام وسائل تثبيت غير يدوية كلما أمكن.
- استخدام الحواجز والملابس الواقية:
- مآزر رصاصية
- واقيات للغدة الدرقية
- قفازات خاصة
- مراقبة جرعات الإشعاع للعاملين باستخدام أجهزة قياس شخصية (Dosimeters).
- تجنّب إشراك النساء الحوامل في أعمال التصوير الإشعاعي المباشر.
- تدريب خاص للعاملين في المنشآت التي تقدّم فحوصًا متقدمة أو علاجات إشعاعية.
سابعًا: مخاطر استخدام الليزر الطبي
تُستخدم أجهزة الليزر في الطب البيطري لـ:
- تخفيف الألم والالتهاب
- تسريع التئام الجروح
- قطع الأنسجة وكيّها أثناء الجراحة
لكن في المقابل، قد تسبب هذه الأجهزة حروقًا في الجلد أو أضرارًا في العين للعاملين أو الحيوان إذا استُخدمت بشكل خاطئ.
كيف نستخدم الليزر بأمان؟
- تدريب جميع العاملين الذين يستخدمون أجهزة الليزر على خصائص كل جهاز وكيفية تشغيله بأمان.
- استخدام نظارات واقية متخصصة لكل نوع من أنواع الليزر.
- تحديد مناطق عمل الليزر بوضوح مع وضع لافتات تحذيرية.
- التحكم في الدخان الجراحي الناتج عن الليزر باستخدام أجهزة شفط مناسبة.
- وضع بروتوكولات مكتوبة لاستخدام الليزر وتوثيق التدريب.
ثامنًا: إصابات الإبر (Needlestick Injuries)
الإبر والمحاقن جزء لا يتجزأ من العمل البيطري اليومي، سواء لإعطاء:
- أدوية
- لقاحات
- مخدرات
- سوائل أو عينات دم
لكن في المقابل، يمكن أن تؤدي إلى:
- جروح وخز أو تمزق في الجلد
- إدخال مواد دوائية أو كيميائية تحت الجلد عرضًا
- التعرض لمسببات مرضية (بكتيريا، فيروسات…)
ممارسات آمنة للوقاية من إصابات الإبر
- تدريب العاملين على الاستخدام الصحيح للإبر والمحاقن.
- عدم إعادة تغطية الإبرة بعد الاستخدام قدر الإمكان، أو استخدام تقنيات آمنة إذا لزم الأمر.
- استخدام حاويات مخصصة للأدوات الحادة:
- مقاومة للثقب
- موضوعة في أماكن يسهل الوصول إليها
- واضحة الملصقات
- التخلّص من الإبر مباشرة بعد الاستخدام في حاوية الأدوات الحادة، وعدم تركها على الطاولات أو في الجيوب.
- توضيح خطوات التعامل عند حدوث وخز إبرة:
- غسل مكان الوخز فورًا
- إبلاغ المسؤول
- تقييم طبي حسب نوع المادة التي كانت في الإبرة
تاسعًا: الضغوط النفسية والإجهاد في الطب البيطري
إلى جانب المخاطر الجسدية، يواجه العاملون في الطب البيطري ضغوطًا نفسية كبيرة قد لا تكون ظاهرة للعيان، لكنها تؤثر بعمق على صحتهم وجودة حياتهم.
من أهم هذه الضغوط:
- أعباء دراسية ومالية سابقة
- التعامل المتكرر مع حالات القتل الرحيم (Euthanasia)
- الإرهاق العاطفي وتعاطفهم الشديد مع الحيوانات وأصحابها
- ساعات عمل طويلة، ومناوبات طوارئ، ونقص النوم
- ضغوط إدارة العيادة:
- التعامل مع عملاء غاضبين
- مشاكل داخل الفريق
- عنف محتمل أو سرقة
- تنمر إلكتروني أو تقييمات سلبية جارحة
هذه العوامل قد تؤدي مع الوقت إلى:
- إجهاد مزمن
- اكتئاب أو قلق
- زيادة خطر التفكير في الانتحار للأسف في بعض الحالات
كيف ندعم الصحة النفسية للعاملين في الطب البيطري؟
- خلق ثقافة عمل داعمة ومحترمة داخل العيادة أو المستشفى.
- توزيع عبء العمل قدر الإمكان وعدم تحميل شخص واحد كل المهام الصعبة.
- تشجيع طلب المساعدة النفسية عند الحاجة، والحديث عن الصحة النفسية كجزء طبيعي من الصحة العامة.
- تنظيم الإجازات وأوقات الراحة بجدية، وعدم اعتبارها رفاهية.
- تدريب الفريق على التعامل مع العملاء الصعبين والمواقف العنيفة، مع وجود سياسات واضحة للحماية.
- الانتباه إلى علامات الإنهاك أو الاكتئاب لدى الزملاء، وتشجيعهم على طلب الدعم.
خاتمة
المخاطر المهنية في الطب البيطري كثيرة ومتنوعة، تبدأ من التعامل مع الحيوانات وتمر عبر الإبر والأجهزة والإشعاع والضوضاء، ولا تنتهي عند حدود الصحة النفسية والضغوط العاطفية.
مع ذلك، يمكن تقليل هذه المخاطر بشكل كبير إذا التزمت العيادات والمزارع بما يلي:
- تقييم المخاطر في مكان العمل بشكل دوري
- وضع سياسات مكتوبة للسلامة
- تدريب العاملين باستمرار
- توفير معدات الوقاية الشخصية
- تعزيز ثقافة الإبلاغ عن الأخطار دون خوف
إن الاستثمار في السلامة المهنية لا يحمي الأطباء والعاملين فقط، بل ينعكس أيضًا على جودة الرعاية المقدَّمة للحيوانات واستدامة العمل البيطري على المدى الطويل.