يُعَد الإسهال في العجول والحملان والجديان حديثة الولادة من أهم أسباب المرض والنفوق في مزارع المجترات.
تتراوح شدة الحالة من إسهال بسيط دون أعراض عامة واضحة، إلى إسهال حاد مائي يسبِّب جفافًا شديدًا واضطرابًا في توازن الأملاح والحموضة، وقد يؤدي إلى النفوق خلال يوم واحد إذا لم تُعالَج الحيوانات بالشكل الصحيح.
هذا المقال يقدّم للمربّي ولصّاحب المزرعة صورة شاملة عن:
- أهم المسببات
- كيف يؤثّر المرض في الأمعاء والجسم
- العلامات التي يمكن ملاحظتها ميدانيًا
- أسس العلاج الصحيح
- أهم إجراءات الوقاية وإدارة القطيع
- التنبيه على بعض المسببات المشتركة بين الحيوان والإنسان
أولاً: المسببات الرئيسة للإسهال في العجول الرضيعة
توجد عدة عوامل ممرِضة (بكتيرية، فيروسية، طفيلية)، وغالبًا يكون الإسهال نتيجة تداخل أكثر من عامل في الوقت نفسه، بالإضافة إلى عوامل الإدارة والتغذية.
1. المسببات البكتيرية
أ) الإشريكية القولونية الممرِضة (Enterotoxigenic E. coli – ETEC)
- من أهم أسباب الإسهال في العجول خلال الأيام الأولى من العمر (حتى 3–5 أيام).
- تمتلك أهدابًا سطحية تساعدها على الالتصاق بزُغابات الأمعاء الدقيقة في العجول الرضيعة (مثل: K99/F5 و F41).
- تُنتج سمًا معويًا يسبّب:
- زيادة إفراز الماء والأملاح من الأمعاء
- إسهالًا مائيًا غزيرًا دون التهاب واضح في جدار الأمعاء
النتيجة: إسهال شديد، فقدان سريع للسوائل، جفاف حاد، وهبوط في الدورة الدموية قد يؤدي إلى النفوق خلال 12–24 ساعة إذا لم يُعالَج الحيوان.
ب) سلالات أُخرى من E. coli (Attaching & Effacing)
- تلتصق بالغشاء المخاطي للأمعاء وتدمّر الحافة الفُرشاتية (الـ brush border).
- تقلّل نشاط الإنزيمات الهاضمة وتغيّر حركة الأيونات، ما يسبّب:
- إسهالًا قد يكون مصحوبًا بالمخاط والدم.
- تصيب غالبًا:
- الأعور والقولون
- وقد تمتد إلى الجزء النهائي من الأمعاء الدقيقة.
ج) السالمونيلا (Salmonella spp.)
- تظهر غالبًا في العجول الأكبر عمرًا من أسبوعين.
- تُحدِث:
- التهابًا حادًّا في الأمعاء
- وتسممًا دمويًا (septicemia)
- الصورة الإكلينيكية الشائعة:
- حرارة عالية
- خمول شديد
- إسهال كريه الرائحة يحتوي على دم وألياف فبرينية ومخاط
- قد يموت العجل بسبب تسمّم الدم قبل الوصول إلى مرحلة الجفاف الشديد.
د) الكلوستريديوم (Clostridium perfringens)
- بعض الأنماط المصلية (A, B, C, E) تُنتج سموماً موضعية قوية.
- في العجول:
- غالبًا تصيب العجول الصغيرة جدًا ذات الشهية العالية والتي تتناول كميات كبيرة من اللبن.
- تسبّب التهابًا نزفيًا حادًا في الأمعاء مع ألم بطني شديد ونفوق خلال فترة قصيرة.
- في الحملان:
- تُعدّ من أهم مسببات الإسهال والنفوق المفاجئ في الأعمار الصغيرة.
2. المسببات الفيروسية
أ) فيروس الروتا (Rotavirus)
- يُعدّ أكثر الأسباب الفيروسية شيوعًا في العجول والحملان.
- يتكاثر في الخلايا المبطنة لقمم زُغابات الأمعاء الدقيقة:
- يسبّب تدميرًا لهذه الخلايا
- يقلّل طول الزغابات ومساحة الامتصاص
- يقلّل نشاط الإنزيمات الهاضمة
النتيجة:
سوء امتصاص للغذاء، وصول كمية أكبر من المواد غير المهضومة إلى القولون، تخمّرها، وزيادة سحب الماء إلى داخل الأمعاء → إسهال أكثر شدة.
ب) فيروس الكورونا (Coronavirus)
- مشابه لفيروس الروتا من حيث إصابة الأمعاء الدقيقة، لكنه:
- يصيب كذلك خلايا القولون
- يسبِّب ضمور الحواف داخل القولون (colonic ridges)
- قد ينتج عنه إسهال أطول زمنًا وأشد في بعض الحالات.
فيروسات أُخرى
- مثل: torovirus و astrovirus وغيرها
قد توجد في براز العجول المصابة وغير المصابة، ودورها في الإسهال أقل وضوحًا حتى الآن.
3. المسببات الطفيلية
أ) كريبتوسبوريديوم (Cryptosporidium parvum)
- شائع في العجول من 5 حتى 35 يومًا، خاصة في الأسبوع الثاني.
- يلتصق بسطح الخلايا المعوية في:
- نهاية الأمعاء الدقيقة
- القولون
- يسبّب:
- ضمور الزغابات
- نقص الإنزيمات
- التهابًا في الأنسجة تحت المخاطية
غالبًا يؤدي إلى:
- إسهال مستمر يصعب السيطرة عليه
- وإذا تداخل مع روتا أو كورونا، يصبح المرض أشد، مع هزال وارتفاع معدل النفوق.
ب) الجيارديا (Giardia)
- تُشاهد كثيرًا في العجول الصغيرة، لكن ارتباطها المباشر بالإسهال أقل ثباتًا.
- قد ترتبط بحالات إسهال مخاطي مزمن وضعف نمو.
4. الأسباب التغذوية والإدارية
لا يكون الإسهال دائمًا بسبب عدوى؛ أحيانًا ينتج عن:
- تقديم كميات كبيرة من اللبن أو بدائل لبن ذات تركيب غير مناسب:
- بروتين نباتي (خاصة الصويا) صعب الهضم للعجول الصغيرة
- بروتين متلف بالحرارة
- كربوهيدرات غير حليبية
- خلط اللبن مع محلول إلكتروليت في نفس الرضعة مع زيادة الأسمولالية → إسهال أسموزي.
- استخدام مضادات حيوية بالفم لفترات أو جرعات غير صحيحة:
- يسبِّب خللاً في ميكروبيوم الأمعاء
- قد يؤدّي إلى ضمور خفيف في الزغابات وسوء امتصاص وإسهال.
ثالثاً: دور السرسوب (الكلوستروم) والمناعة
يُعدّ السرسوب حجر الأساس في مقاومة الإسهال في العجول حديثة الولادة.
- العجول التي لا تحصل على كمية كافية من السرسوب الجيد في الساعات الأولى:
- أكثر عرضة للإصابة بكل مسببات الإسهال
- غالبًا تعاني من صور أشد من المرض ومعدل نفوق أعلى.
السرسوب يوفّر:
- أجسامًا مضادة داخل الأمعاء مباشرة خلال الأيام الأولى.
- أجسامًا مضادة في الدم يتم إفراز جزء منها لاحقًا في الأمعاء.
تحصين الأمهات في أواخر الحمل ضد بعض المسببات (مثل: روتا، كورونا، E. coli K99) يزيد تركيز الأجسام المضادة النوعية في السرسوب، وبالتالي يحسّن مستوى الحماية في العجول.
رابعاً: آلية حدوث الإسهال في الأمعاء
بصورة مبسّطة، الإسهال في العجول الرضيعة غالبًا ينتج عن تداخل ثلاث آليات رئيسة:
- إسهال إفرازي (Secretory):
- كما في ETEC
- الأمعاء تفرز كميات كبيرة من الماء والأملاح تفوق قدرتها على إعادة الامتصاص.
- إسهال سوء امتصاص (Malabsorptive):
- كما في روتا، كورونا، كريبتوسبوريديوم
- قِصَر الزغابات ونقص الإنزيمات الهاضمة يقلّل الامتصاص
فيصل جزء كبير من الغذاء غير المهضوم إلى القولون، ويتخمّر، ويسحب المزيد من الماء.
- إسهال التهابي (Inflammatory):
- كما في السالمونيلا وبعض سلالات E. coli والكلوستريديوم
- يسبّب التهابًا وقرحًا في جدار الأمعاء، وارتشاح خلايا التهابية، وتسريب بروتينات ودم ومخاط.
النتيجة النهائية في الحالات الحادة:
- فقدان شديد للماء والأملاح
- جفاف وهبوط في حجم الدم
- حموضة في الدم (acidemia)
- نقص سكر الدم
- فشل كلوي قبل كلوي
- انهيار وموت إذا لم يتم تعويض السوائل والمعالجة في الوقت المناسب.
خامساً: العلامات الإكلينيكية في العجول المصابة
العلامات العامة
- إسهال (براز لين حتى مائي تمامًا)
- درجات متفاوتة من الجفاف:
- عيون غائرة
- جلد بطيء الرجوع عند قرصه
- جفاف الأغشية المخاطية
- خمول وضعف ونقص حركة
- ضعف في الرضاعة أو فقدان الشهية
- في الحالات الشديدة:
- برودة الأطراف
- تسارع التنفس
- استلقاء وعدم القدرة على الوقوف
- غيبوبة ونفوق
تقريب ارتباط بعض المسببات بالعمر
- أقل من 3–5 أيام:
- ETEC (إسهال مائي غزير، تطوّر سريع)
- 5–15 يومًا:
- روتا، كورونا
- 5–35 يومًا (خاصة الأسبوع الثاني):
- كريبتوسبوريديوم
- أكبر من أسبوعين:
- سالمونيلا (مع حرارة عالية وتسمم دموي)
- أيام العمر الأولى مع شهية قوية:
- كلوستريديوم (إسهال دموي حاد ونفوق سريع)
هذه حدود تقريبية، ويجب الانتباه إلى أن كثيرًا من الحالات يكون فيها أكثر من مسبب في الوقت نفسه.
سادساً: تشخيص الحالة
1. التشخيص الحقلي (للمربّي)
لا يمكن تحديد المسبب بدقة اعتمادًا على الأعراض فقط، لكن يمكن:
- الربط بين:
- عمر العجل
- سرعة تطور الحالة
- شكل البراز (مائي، دموي، مخاطي)
- وجود حرارة أو لا
- تقدير:
- شدة الجفاف
- مدى الحاجة للتدخل البيطري الفوري.
2. التشخيص المعملي (للقطيع)
- فحص براز عدد من العجول في بداية الإسهال قبل استخدام مضادات حيوية.
- إجراء:
- اختبارات سريعة في المزرعة (للروتا، الكورونا، الكريبتوسبوريديوم، E. coli K99) إذا توفّرت.
- أو إرسال عينات لمعمل تشخيصي.
- تشريح عجل نافق حديثًا قد يساعد في:
- رؤية نوع الآفات في الأمعاء
- التعرّف على بعض المسببات مباشرة في الأنسجة.
سابعاً: مبادئ علاج الإسهال في العجول
1. تعويض السوائل والأملاح (أهم ركن في العلاج)
أ) الحالات الخفيفة والمتوسطة
- العجل ما زال واقفًا ويستطيع الرضاعة.
- يُستخدم:
- محلول أملاح فموية مخصّص للعجول يحتوي على:
- صوديوم، بوتاسيوم
- جلوكوز
- أحماض أمينية بسيطة (مثل: جلايسين أو ألانين)
- عامل قلوي (بيكربونات أو سترات أو أسيتات)
- محلول أملاح فموية مخصّص للعجول يحتوي على:
- يُقدَّم المحلول بين الرضعات وليس مخلوطًا مع اللبن.
- لا يُنصح بإيقاف اللبن تمامًا:
- يمكن تقليل الكمية وتقسيمها على أكثر من رضعة
- لأن اللبن مصدر الطاقة الأساسي للعجل ويساعد على شفاء الأمعاء.
ب) الحالات الشديدة
- العجل طريح، أو لديه جفاف واضح (فقد أكثر من 8% من وزن الجسم سوائل).
- تحتاج هذه الحالات إلى:
- محاليل وريدية متوازنة
- تصحيح الحموضة (بيكربونات)
- إضافة جلوكوز حسب تقدير الطبيب
- بعد استقرار الحالة:
- يُستكمل بالعلاج الفموي بالأملاح لتعويض الفقد المستمر مع البراز.
2. استخدام المضادات الحيوية
الإسهال وحده لا يُعتبر سببًا كافيًا لاستخدام مضاد حيوي.
يُفضَّل استخدام مضاد حيوي بشكل حقن عندما:
- تظهر علامات مرض عام:
- حرارة غير طبيعية
- خمول شديد
- علامات تسمم دموي
- لأن نسبة ليست قليلة من العجول المصابة بإسهال شديد تكون لديها بكتيريميا.
يختار الطبيب:
- مضادًا حيويًا فعالًا ضد البكتيريا سالبة الجرام (خاصة E. coli)
- بالجرعة والفترة المناسبة حسب الحالة والتعليمات المحلية.
3. مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs)
- قد تُستخدم في الحالات التي يظهر فيها:
- ألم واضح
- حرارة
- التهاب شديد
- دورها:
- تسكين الألم
- خفض الحرارة
- تقليل الالتهاب وبعض الإفرازات المعوية
- تحسين الشهية وسرعة التعافي
- تُعطى تحت إشراف بيطري مع مراعاة حالة الجفاف ووظائف الكلى.
4. أدوية تقليل حركة الأمعاء والمستحضرات الماصة
- أدوية تقليل حركة الأمعاء ليست خيارًا أوليًا؛ لأنها:
- قد تحبس السموم والجراثيم داخل الأمعاء.
- المستحضرات الماصة (مثل الكاولين والبكتين) قد:
- تحسّن قوام البراز
- لكنها لا تقلل فعليًا فقد السوائل والأملاح.
المحور الأهم يبقى: السوائل، الأملاح، التغذية المناسبة، والنظافة.
ثامناً: الوقاية وإدارة القطيع
1. إدارة السرسوب
- إعطاء العجل كمية كافية من السرسوب الجيد:
- في أول ساعتين من الولادة قدر الإمكان.
- بكمية تقريبية تعادل 8–10% من وزن الجسم خلال أول 6–12 ساعة.
- استخدام:
- قسطرة مريئية في حال عدم قدرة العجل على الرضاعة الطبيعية.
2. تحسين الظروف الصحية
- فصل حظائر الولادة عن حظائر العجول.
- عدم خلط العجول الصغيرة جدًا مع الأكبر سنًّا في نفس الحظيرة.
- تخصيص مكان منفصل للعجول المريضة.
- تغيير الفرشة وتنظيف المعالف والمشارب بشكل منتظم.
- التخلص السليم من الروث، خاصة من العجول المسهّلة؛ لأن كميّة الميكروبات في البراز تكون مرتفعة جدًا.
3. برامج التحصين (بحسب المتوفر محليًا)
- تحصين الأمهات في أواخر الحمل ضد:
- روتا
- كورونا
- E. coli K99
لرفع مستوى الأجسام المضادة في السرسوب.
- في بعض القطعان:
- يمكن إضافة منتجات تحتوي على أجسام مضادة جاهزة ضد K99 للعجول مباشرة بعد الولادة
على أن تكون مكملة، لا بديلًا عن السرسوب الجيد.
- يمكن إضافة منتجات تحتوي على أجسام مضادة جاهزة ضد K99 للعجول مباشرة بعد الولادة
تاسعاً: المسببات المشتركة بين الحيوان والإنسان
بعض مسببات الإسهال في العجول يمكن أن تصيب الإنسان أيضًا، خصوصًا:
- Cryptosporidium parvum
- Salmonella Typhimurium
- بعض سلالات E. coli المفرزة للسموم (مثل O157:H7)
تزداد الخطورة في:
- الأطفال
- كبار السن
- أصحاب المناعة الضعيفة
إجراءات وقائية للإنسان:
- غسل اليدين جيدًا بعد التعامل مع العجول أو الروث.
- تغيير الأحذية والملابس قبل دخول المنزل.
- تجنّب احتكاك الأطفال أو الأشخاص ضعيفي المناعة بالعجول المصابة بالإسهال.
خاتمة
إسهال العجول حديثة الولادة مشكلة معقّدة لكن يمكن السيطرة عليها بدرجة كبيرة إذا تم التركيز على:
- إدارة صحيحة للسرسوب
- نظافة جيدة للحظائر
- تغذية مناسبة
- التدخل السريع لتعويض السوائل والأملاح
- استشارة الطبيب البيطري عند ظهور حالات شديدة أو متكررة
بهذه الأسس يمكن تقليل نسبة الإصابة ومعدل النفوق بشكل واضح، ورفع كفاءة إنتاج القطيع على المدى البعيد.